يشهد إقليم الفحص أنجرة تحضيرات لإطلاق مرحلة جديدة من التوسع المينائي، إثر إعلان الديوان الملكي في 28 أكتوبر 2026، عن مشروع “طنجة المتوسط 3” باستثمار يبلغ 8 مليارات درهم.
ولا يقتصر المشروع على إضافة أرصفة لاستقبال السفن، بل يأتي ضمن استراتيجية لرفع القدرة الإجمالية للمجمع إلى نحو 20 مليون حاوية، ما يؤهله للمنافسة على موقع ضمن أكبر 10 موانئ للحاويات في العالم، من خلال توفير أرصفة بطول 1200 متر وطاقة إضافية تبلغ 4.5 ملايين حاوية سنويا.
وفيما حدد الإعلان الرسمي موقع المشروع غرب ميناء طنجة المتوسط 2، تقدم وثائق التعمير والدراسات البيئية صورة أوضح عن المجال الساحلي المستهدف والرهانات المجالية والبيئية المطروحة.
مؤشرات الموقع بوثائق التعمير
ورغم أن تحديد موقع الميناء الجديد غرب المنشآت الحالية يظل عاما، إلا أن مراجعة وثائق الوكالة الحضرية لطنجة تظهر أن الشريط الساحلي الممتد غرب المجمع يخضع لتنظيم عمراني يشمل جماعات القصر الصغير، وقصر المجاز، والبحراويين، وفق تصميم تهيئة مصادق عليه في فبراير 2024.
وبالتوازي مع ذلك، تكشف صفقات الأشغال مسارا تقنيا استبق الإعلان الرسمي. ففي يوليوز 2026، طرحت السلطة المينائية مناقصة (رقم TMPA_AO_40_26) تتعلق بدراسات وأشغال لتحويل وتمديد منشآت تصريف المياه في المنصة الغربية لطنجة المتوسط 2، تحت مسمى صريح: “التوسعة الغربية لطنجة المتوسط”.
جغرافيا، تبرز منطقة “وادي غلالة” كأحد المعالم الطبيعية المحاذية للنهاية الغربية للميناء الثاني.
وتشير دراسة تأثير بيئي سابقة أعدتها الوكالة الخاصة طنجة المتوسط (2010)، إلى أن مصب الوادي يقع عند الطرف الغربي للمشروع، فيما يبعد وادي القصر الصغير نحو 2.3 كيلومتر عن نقطة انطلاق حاجز الحماية الغربي، ما يرسم المعالم الأولية للمجال الجغرافي المستهدف.
تداعيات بيئية ورهانات التنمية
ويكتسب هذا التوسع أهمية بيئية بالغة بالنظر إلى التحولات التي شهدها ساحل الفحص أنجرة خلال العقدين الماضيين.
فقد سبق لدراسة نشرتها الباحثة الفرنسية ميلاني باتو عام 2014 في مجلة الجمعية الفرنسية للجغرافيين، أن رصدت تغيرات في استعمالات الأراضي ودينامية المنحدرات بحوضي وادي غلالة ووادي العوياد، ارتباطا بالأشغال المينائية والتجهيزات المصاحبة لها.
وفي دراسة أحدث نشرت عام 2024 في مجلة (Ecological Engineering & Environmental Technology)، توصل باحثون من جامعة عبد المالك السعدي – بناء على بيانات وصور فضائية تمتد بين 1988 و2022 – إلى وجود تأثيرات متباينة للمنشآت الساحلية.
وسجلت الدراسة تراكما للرواسب وتقدما للخط الساحلي بشاطئ القصر الصغير، مقابل تراجع أجزاء من شاطئ الدالية. وتؤكد هذه النتائج أن امتداد التوسعة الجديدة ستتجاوز تأثيراتها المساحات المباشرة التي تشغلها الأرصفة.
اقتصاديا، يعكس توقيع المجموعة المينائية لاتفاق امتياز مع شركة “ميرسك APM” لتطوير المحطة الجديدة، استمرار جاذبية الميناء للفاعلين الدوليين في النقل البحري، في ظل تنافس إقليمي محموم على خطوط الملاحة وحركة إعادة الشحن.
بيد أن التحدي الأبرز يكمن في مدى انعكاس هذا النمو على المناطق المجاورة. وهو رهان حضر بقوة في بلاغ القصر الملكي، حيث شدد الملك محمد السادس على ضرورة استفادة الأقاليم المعنية من العوائد الاقتصادية والاجتماعية للمشاريع المينائية.
كما دعا إلى تسريع برامج التكوين المرتبطة بالمهن الجديدة لتمكين الشباب المحلي من الاندماج في سوق الشغل، ليضع “طنجة المتوسط” أمام امتحان مستمر يتمثل في التوفيق بين التوسع العالمي والتنمية المحلية الشاملة.







