على طول كورنيش طنجة، لا يحتاج البحر إلى سحب داكنة أو عواصف كي يكشف عن غضبه. تكفي هبات الرياح الشرقية القوية، التي يسميها السكان “الشرقي” أو “الليفانطي”، لتغيير ملامح المدينة ومزاج قاطنيها المطلين على بوغاز جبل طارق.
منذ الأربعاء 20 ماي، تزامنا مع أول موجة حر تسجل هذا الموسم، فرضت هذه الرياح إيقاعها على المدينة.
ولا يتعلق الأمر باضطراب ماطر، بل بهواء حاد وجاف يسبق عادة ارتفاع درجات الحرارة أو يرافقها، ويدخل طنجة في حالة من الترقب والحذر.
في الأحياء المرتفعة، تصفق النوافذ بقوة، ويتسلل الغبار إلى الأزقة المكشوفة، دافعا المارة إلى الانكماش. ليست مجرد حالة طقس عابرة، بل معيش يومي يترك في الذاكرة المحلية انطباعا ثقيلا: طنجة في أيام “الشرقي” تتخلى عن هدوئها المعتاد.
وتشير بيانات اليقظة الصادرة عن المديرية العامة للأرصاد الجوية إلى استمرار الرياح القوية على مستوى عمالتي طنجة-أصيلة والفحص-أنجرة.
وتتقاطع هذه المعطيات مع توقعات أرصاد دولية ترجح بلوغ سرعة الهبات في طنجة، الجمعة، نحو 63 كيلومترا في الساعة.
على الضفة الأخرى من المضيق، تعكس نشرة وكالة الأرصاد الجوية الإسبانية “أيميت” حساسية الوضع البحري، بعدما أشارت إلى رياح ليفانطي بقوة 7 غرب مضيق جبل طارق.
ولا يعني هذا المستوى إغلاقا آليا للموانئ، لكنه يرفع احتمالات التأخير أو تعليق بعض الرحلات، خاصة على الخطوط السريعة.
وفي الميدان، يكون الخط البحري الرابط بين طريفة وطنجة المدينة الأكثر عرضة للتأثر بهذه التغيرات، لاعتماده على سفن سريعة تتفاعل بسرعة أكبر مع الأمواج القصيرة والمتقطعة وصعوبة المناورة.
في المقابل، تواصل السفن الأكبر حجما على خط طنجة المتوسط-الجزيرة الخضراء نشاطها غالبا، لكن تحت مراقبة تشغيلية أدق لشروط الرسو والمغادرة.
داخل محطات المسافرين، لا يحتاج الركاب إلى شروحات تقنية. يكفي النطق بكلمة “الشرقي” لتبرير فترات الانتظار. البعض يراقب تطبيقات الطقس، والبعض الآخر يترقب بلاغات الشركات الناقلة، وبينهما تبقى حقائب السفر مكدسة في انتظار هدوء الريح.
علميا، تتشكل ظاهرة “الليفانطي” من فروقات الضغط الجوي. فحين يرتفع الضغط في حوض المتوسط، أو تتعمق المنخفضات غرب المضيق، يندفع الهواء بقوة نحو الغرب.
ويعمل مضيق جبل طارق كعنق طبيعي يضاعف سرعة هذه التيارات، بفعل ضيق الممر البحري بين شمال المغرب وجنوب إسبانيا.
وتظهر الدراسات المناخية أن هذه الظاهرة تسجل على مدار العام، لكنها تبلغ مستوياتها القصوى عادة خلال الفترة الممتدة بين يوليوز وشتنبر، حين ترتفع حرارة اليابسة وتتقوى الفوارق الحرارية والضغطية بين الكتل الهوائية.
لكن بعيدا عن الخرائط وحسابات الضغط الجوي، يمتلك “الليفانطي” تأثيرا مباشرا على إيقاع المدينة التي تعيش من البحر. ومع كل هبة ريح قوية، تتجدد لدى الطنجاويين قناعة راسخة: في عاصمة البوغاز، صفاء السماء لا يعني أبدا هدوء البحر.







