تراجع عدد الإصابات الجديدة بفيروس نقص المناعة البشري في المغرب بصورة كبيرة خلال أكثر من عقد، لكن هذا التقدم الوطني يخفي وراءه اختلافات واضحة بين الجهات وتحولاً في الفئات التي تتركز داخلها العدوى، وفق دراسة علمية جديدة شملت جهة طنجة–تطوان–الحسيمة إلى جانب خمس جهات أخرى.
الدراسة، المنشورة والمدرجة ضمن عدد غشت من مجلة The Lancet HIV، حللت ديناميات انتقال الفيروس في المغرب على المستويين الوطني والجهوي. واعتمد الباحثون على بيانات بيولوجية وسلوكية وبرامجية جُمعت بين سنتي 2010 و2023، وشملت 58 دراسة استقصائية بيولوجية وسلوكية متكاملة، إلى جانب قواعد بيانات وفرتها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية.
واستخدم الباحثون نموذجاً رياضياً طوره برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشري، من أجل تقدير عدد الإصابات الجديدة خلال سنة 2025 وتحديد طرق انتقالها والفئات الأكثر مساهمة فيها.
وشمل التحليل ست جهات اعتبرتها الدراسة ذات أولوية، هي الدار البيضاء–سطات، وفاس–مكناس، ومراكش–آسفي، والرباط–سلا–القنيطرة، وسوس–ماسة، وطنجة–تطوان–الحسيمة. ولم تتعامل الدراسة مع المغرب باعتباره وباءً وطنياً متجانساً، بل حاولت تحديد الاختلافات الجغرافية في أنماط الانتقال، ومدى حاجة كل جهة إلى تدخلات صحية تناسب وضعها الخاص.
انخفاض بأكثر من 70 في المائة
قدّرت الدراسة أن عدد الإصابات الجديدة في المغرب انخفض من نحو 3163 إصابة سنة 2013 إلى 874 إصابة خلال سنة 2025، أي بتراجع يقارب 72 في المائة.
وتراوحت التقديرات الخاصة بسنة 2025 بين 715 و1136 إصابة جديدة، بسبب هامش عدم اليقين المرتبط بالنماذج الرياضية والبيانات المتاحة. ورغم ذلك، يرى الباحثون أن الاتجاه العام واضح، ويشير إلى انكماش ملحوظ للوباء في المغرب خلال العقد الأخير.
لكن انخفاض العدد الإجمالي لا يعني أن انتقال الفيروس أصبح موزعاً بالطريقة نفسها بين السكان. فقد قدّرت الدراسة أن الفئات الرئيسية وشبكاتها الاجتماعية والجنسية كانت وراء نحو 80.2 في المائة من الإصابات الجديدة خلال سنة 2025.
وبحسب النموذج، ارتبطت 42.3 في المائة من الإصابات الجديدة بشبكات الرجال الذين يمارسون علاقات جنسية مع رجال، فيما ارتبطت 37 في المائة بشبكات العمل الجنسي غيري الجنس، بما يشمل العاملات والعاملين في الجنس وزبائنهم وشركاءهم. أما الشبكات المرتبطة بحقن المخدرات فمثلت نحو 0.9 في المائة من الإصابات الجديدة المقدرة.
وسجل الرجال الذين يمارسون علاقات جنسية مع رجال أعلى معدل سنوي مقدر للإصابة، بواقع 0.8 في المائة لكل سنة تعرض، وفق الدراسة.
ولا تعني هذه النتائج أن الفيروس محصور داخل فئات منفصلة عن بقية المجتمع، إذ يمكن أن تنتقل العدوى إلى الزوجات والأزواج والشركاء خارج هذه الشبكات. وقدرت الدراسة أن النساء شكلن نحو 37.4 في المائة من الإصابات الجديدة، وأن ثلاثة أرباع هذه الإصابات النسائية تقريباً انتقلت من زوج يحمل الفيروس وقادر على نقله.
المغرب ليس وباءً واحداً
تكمن أهم إضافة قدمتها الدراسة في الكشف عن تفاوت كبير بين الجهات في طبيعة انتقال العدوى.
فمساهمة شبكات الرجال الذين يمارسون علاقات جنسية مع رجال في الإصابات الجديدة تراوحت، حسب الجهة، من نحو 30.1 في المائة في مراكش–آسفي إلى 80.8 في المائة في فاس–مكناس. وهذا التفاوت الواسع يعني أن التدخل الذي قد يكون مناسباً في جهة معينة لن يؤدي بالضرورة إلى النتائج نفسها في جهة أخرى.
ودخلت جهة طنجة–تطوان–الحسيمة ضمن التحليل الجهوي، لكن الملخص المنشور للدراسة لا يقدم الرقم الخاص بها منفرداً. وتظهر الجداول التفصيلية في الملحق العلمي للدراسة، الذي يتضمن قسماً خاصاً بتوقعات نموذج انتقال الفيروس داخل الجهة. لذلك لا يمكن، انطلاقاً من الملخص وحده، تحديد النسبة الدقيقة لكل طريقة انتقال في شمال المغرب دون الرجوع إلى تلك الجداول التفصيلية.
ومع ذلك، فإن إدراج الجهة ضمن المناطق الست ذات الأولوية يكشف أن شمال المغرب جزء أساسي من الخريطة الوطنية الجديدة للعدوى، وأن قياس نجاح الاستجابة لا ينبغي أن يعتمد فقط على الأرقام الوطنية المجمعة.
فجهة تضم مدناً كبيرة وموانئ ومناطق صناعية وحدوداً بحرية وبرية وحركة سكانية واسعة، مثل طنجة وتطوان والحسيمة، تحتاج إلى فهم محلي لطرق الانتقال ومدى الوصول إلى الفحص والعلاج والوقاية، بدلاً من الاكتفاء بحملات عامة لا تراعي الفئات والمناطق الأكثر تعرضاً.
العلاج يحقق نتائج جيدة.. لكن الوصول إليه يظل حاسماً
حللت الدراسة أيضاً مسار الاحتفاظ بالمصابين داخل برامج العلاج المضاد للفيروسات في تسعة مراكز رئيسية بالمغرب. وأظهرت النتائج أن نسبة الاستمرار في العلاج بلغت في المتوسط نحو 91 في المائة بعد عامين، ثم انخفضت إلى 83.8 في المائة بعد ثلاثة أعوام و83.3 في المائة بعد أربعة أعوام.
كما تجاوزت نسبة كبت الحمل الفيروسي بين الأشخاص الذين خضعوا للفحص 94.9 في المائة في مجموعات المرضى الذين بدأوا العلاج خلال سنوات 2015 و2016 و2017. ويعني كبت الحمل الفيروسي خفض كمية الفيروس في الدم إلى مستوى متدنٍ جداً، ما يحافظ على صحة الشخص ويمنع انتقال الفيروس جنسياً عند استمرار الكبت.
لكن المراكز التسعة التي شملها تحليل الاستمرار في العلاج كانت موجودة في أكادير وبني ملال والدار البيضاء وفاس ومراكش والناظور ووجدة والرباط، ولم ترد طنجة أو تطوان ضمنها.
ولا يعني ذلك غياب خدمات العلاج في جهة الشمال، بل إن الدراسة لم تضم مراكزها في هذا الجزء الطولي من التحليل. ومن ثم تبرز حاجة صحفية إلى معرفة مؤشرات الاحتفاظ بالعلاج وكبت الفيروس داخل مراكز الجهة، ومقارنتها بالمتوسط الوطني الذي سجلته الدراسة.
ثلاثة تدخلات يمكنها تغيير المسار
اختبر الباحثون، من خلال النموذج الرياضي، تأثير مجموعة من التدخلات الممكنة على عدد الإصابات الجديدة.
وتوصلت الدراسة إلى أن تحقيق أهداف الأمم المتحدة المعروفة بـ«95-95-95» يمكن أن يخفض معدل الإصابات الجديدة بنسبة 52.8 في المائة. وتتمثل هذه الأهداف في معرفة 95 في المائة من حاملي الفيروس لحالتهم، وحصول 95 في المائة ممن يعرفون حالتهم على العلاج، وتحقيق الكبت الفيروسي لدى 95 في المائة ممن يتلقون العلاج.
وقدرت الدراسة أيضاً أن رفع استعمال الواقي بنسبة 50 في المائة يمكن أن يمنع نحو 39.8 في المائة من الإصابات الجديدة.
أما توسيع استعمال العلاج الوقائي قبل التعرض للفيروس، المعروف اختصاراً بـPrEP، سواء في شكله الفموي أو القابل للحقن، فيمكن أن يخفض الإصابات بدرجة إضافية، لكن أثره يتوقف على نسبة التغطية والالتزام باستعماله.
وتشير هذه النتائج إلى أن المغرب لا يحتاج فقط إلى علاج من ثبتت إصابتهم، بل إلى تسهيل الفحص المبكر والوصول إلى وسائل الوقاية داخل الفئات والشبكات التي يتركز فيها الانتقال.
ماذا تعني النتائج لجهة الشمال؟
بالنسبة إلى طنجة–تطوان–الحسيمة، تفتح الدراسة ثلاثة أسئلة أساسية.
الأول يتعلق بالخريطة الداخلية للعدوى: هل تتركز الحالات الجديدة في طنجة باعتبارها أكبر مركز حضري، أم تظهر أنماط مختلفة في تطوان والحسيمة والأقاليم القروية؟
والثاني يرتبط بالوصول إلى الفحص. فالانخفاض الوطني في الإصابات لا يكفي لمعرفة ما إذا كان سكان جميع أقاليم الجهة يحصلون على خدمات الكشف بالمستوى نفسه، خاصة في المناطق البعيدة عن المراكز العلاجية والجمعيات المتخصصة.
أما السؤال الثالث فيتعلق بمدى ملاءمة برامج الوقاية للواقع الجهوي. فإذا كانت طرق الانتقال تختلف من جهة إلى أخرى، فإن توزيع الموارد الصحية بالتساوي قد لا يكون الخيار الأكثر فعالية. وقد تحتاج كل منطقة إلى مزيج مختلف من الفحص والعلاج والواقي والعلاج الوقائي قبل التعرض والدعم الاجتماعي.
وتوفر تجربة الوقاية من انتقال الفيروس من الأم إلى الطفل مثالاً على أهمية التوسع الجهوي. فقد أُدخلت حزم الكشف المبكر خلال متابعة الحمل في جهتي طنجة–تطوان–الحسيمة وفاس–مكناس، بدعم من صندوق الأمم المتحدة للسكان، قبل توسيعها إلى جهات أخرى. لكن تقارير حديثة تشير إلى أن تغطية فحص النساء الحوامل وطنياً ما تزال غير كافية.







