طوى فريق اتحاد طنجة لكرة القدم صفحة موسم مضطرب في البطولة الاحترافية المغربية، منهيا المنافسات في المركز السابع برصيد 39 نقطة، بعد عام رياضي طبعته التغييرات المتكررة في العارضة التقنية، ومردودية هجومية محدودة أرجأت الخروج الكامل من حسابات أسفل الترتيب إلى الجولات الأخيرة من المسابقة، رغم أن ترتيب النهاية بدا، من حيث الشكل، بعيدا عن منطقة السقوط.
وخرج الفريق الطنجي من سباق البطولة، الذي امتد لثلاثين جولة، بحصيلة متوازنة رقميا لكنها سلبية على مستوى الفارق التهديفي. فقد حقق تسعة انتصارات مقابل 12 تعادلا وتسع هزائم، وسجل خط هجومه 27 هدفا، فيما استقبلت شباكه 31 هدفا، ليستقر خلف الدفاع الحسني الجديدي وأمام الفتح الرباطي، وبفارق ثماني نقاط فقط عن ملحق البقاء، مع أنه أنهى موسمه بفوز على النادي المكناسي 2-1.
وتكشف هذه الأرقام مفارقة الموسم أكثر مما تختصره. فالمركز السابع يمنح الانطباع بنهاية هادئة في وسط الترتيب، غير أن تفاصيل الطريق إليه تحيل على مسار مرتبك، تعاقب خلاله ثلاثة مدربين على تدبير فريق لم يعثر على إيقاعه مبكرا، ولم ينتج ما يكفي من الأهداف لتوسيع هامش الأمان، ثم وجد نفسه مضطرا إلى تبديل أدوات المعالجة كلما عادت النتائج إلى التراجع.
بدأ المسار بأزمة نتائج مبكرة وضعت الفريق داخل دائرة الحذر منذ الثلث الأول من البطولة. فبعد مرور ثماني مباريات، كان اتحاد طنجة يملك ثماني نقاط فقط، وهي حصيلة دفعت الإدارة إلى فك الارتباط مع المدرب هلال الطير، في محاولة أولى لتصحيح المسار وقطع الطريق على انزلاق مبكر نحو المراتب المكهربة بأسفل الترتيب.
وكان خروج هلال الطير أول مؤشر على أن الموسم لن يسير وفق خط تقني واضح. فالفريق دخل البطولة وهو يبحث عن بداية أقل توترا من مواسم سابقة، لكنه وجد نفسه مبكرا أمام نفس الأسئلة القديمة: صعوبة في الحسم، تعثر في بناء الثقة، وحاجة متواصلة إلى نتائج صغيرة تخفف الضغط من دون أن تنقله إلى موقع مريح. ومع كل جولة ضاعت فيها نقاط قريبة، اتسعت المسافة بين خطاب البداية وحقيقة الترتيب.
بعد ذلك، اتجهت الإدارة إلى المدرسة الإسبانية، فتعاقدت مع بيبي ميل وفق مشروع رياضي أعلن امتداده إلى عام 2028، وقدم باعتباره خطوة لإدماج المواهب الشابة وبناء هوية لعب حديثة.
غير أن هذا الطموح اصطدم سريعا بواقع المنافسة، حيث غلبت لغة الحذر والتعادلات على نتائج الفريق، في ظل عجز هجومي واضح وافتقار متكرر إلى الحلول القادرة على تحويل المباريات المتوازنة إلى انتصارات.
ولم تكن تجربة بيبي ميل مجرد تبديل تقني ظرفي في الخطاب الرسمي للنادي، بل جرى تقديمها كمدخل إلى مرحلة مختلفة، عنوانها رفع التنافسية وبناء منهجية عمل أكثر استقرارا.
لكن البطولة فرضت إيقاعا أضيق من المشروع المعلن. فالفريق لم يكن يملك هامش انتظار التحولات الهادئة، ولا ترف تجريب طويل، لأن موقعه في الترتيب كان يجعل كل تعادل نقطة نجاة مؤقتة لا خطوة كافية نحو الأمان.
ومن هنا تحولت التعادلات إلى عنوان ثقيل في موسم اتحاد طنجة. فقد خسر الفريق مباريات أقل مما كان يمكن أن يوحي به وضعه المتوتر، غير أنه عجز في المقابل عن تحويل عدد واسع من المواجهات المتقاربة إلى انتصارات. وهكذا راكم رصيدا حماه من الانهيار السريع، لكنه كبل حركته في الترتيب، وأبقى خروجه من القلق مؤجلا إلى مرحلة متأخرة.
ومع استمرار هذا النزيف الهادئ للنقاط، انتقل النادي في مارس من منطق المشروع طويل الأمد إلى تدبير مرحلة ضاغطة، مستنجدا بعبد الحق بنشيخة.
واعتمد المدرب الجزائري مقاربة أكثر واقعية، ركزت على تحصين الفريق وجمع النقاط الممكنة، فحصد انتصارات حاسمة، خصوصا خارج القواعد أمام الكوكب المراكشي، ثم أمام نهضة الزمامرة، قبل أن يغلق البطولة بفوز على النادي المكناسي.
ومثلت عودة بنشيخة انتقالا واضحا من خطاب البناء إلى منطق الإنقاذ. ففي تلك المرحلة، لم يعد الرهان الأساسي هو إنتاج كرة جذابة أو رفع سقف الطموح نحو المراتب القارية، بل وقف التآكل، واستعادة حد أدنى من الانضباط، وإبعاد الفريق عن سيناريو الحسابات الضيقة في الأمتار الأخيرة. وقد نجح المدرب الجزائري في نقل المجموعة إلى مساحة أهدأ، لكنه لم يغير صورتها الفنية بشكل جذري.
ومع ذلك، لم يكن التحسن المتأخر كافيا لتلميع الموسم. فقد حسم اتحاد طنجة مباريات مهمة وخرج من ضغط أسفل الترتيب، لكن حصيلته الهجومية بقيت ضعيفة. 27 هدفا في ثلاثين مباراة رقم لا يسمح لفريق يطمح إلى مرتبة أعلى بأن يذهب بعيدا، كما أن استقبال 31 هدفا أبقى الفارق التهديفي سلبيا، مؤكدا أن التوازن بين الدفاع والهجوم ظل ناقصا.
وتبرز أزمة التنشيط الهجومي باعتبارها أحد مفاتيح قراءة الموسم. فالفريق عجز عن بلوغ معدل هدف واحد في المباراة، وهو ما جعل كل خطأ دفاعي مكلفا، وكل تقدم في النتيجة قابلا للتهديد، وكل تعادل يبدو في لحظته نتيجة نافعة، ثم يتحول عند تجميع الحصيلة إلى أحد أسباب المركز الباهت. لذلك لم تكن مشكلة اتحاد طنجة في الهزائم وحدها، بل في محدودية القدرة على صناعة الفارق.
وفي مقابل ذلك، وفر العدد المرتفع من التعادلات نوعا من الحماية ضد الانهيار. فالفريق ظل يجمع نقاطا متفرقة، ويمنع اتساع الفارق مع أندية قريبة منه، لكنه لم يراكم السلسلة التي تسمح بالاقتراب من مراكز التنافس القاري. وبين وظيفة الحماية ووظيفة الطموح، لعبت التعادلات دورا مزدوجا: أنقذت الفريق من السقوط السريع، وحرمت موسمه من وهج رياضي واضح.
وبين هلال الطير وبيبي ميل وعبد الحق بنشيخة، لم يكن تعاقب المدربين تفصيلا إداريا في موسم عادي، بل كان مرآة لارتباك رياضي أوسع. بدأ الفريق بمحاولة محلية لتثبيت المسار، ثم انتقل إلى خيار أجنبي بلغة مشروع ممتد، قبل أن يعود إلى مدرب يعرف البطولة ويتقن إدارة اللحظات الضاغطة. وفي كل محطة، كان اتحاد طنجة يعالج عرضا من أعراض الموسم، أكثر مما يبني مسارا متصلا.
لهذا جاء المركز السابع أقرب إلى نهاية آمنة منه إلى حصيلة مقنعة. فقد غادر الفريق الموسم من دون صدمة رياضية، وابتعد عن ملحق البقاء، وأغلق البطولة بفوز، غير أن ذلك لم يمح صورة عام بثلاث عارضات تقنية، وهجوم قليل الإنتاج، وترتيب متوسط لا يعكس حجم الانتظارات المحيطة بالنادي.
وينهي اتحاد طنجة موسمه بمكسب محدود يتمثل في تثبيت مكانه داخل قسم الصفوة، لا في إنتاج قفزة رياضية واضحة. فالحصيلة النهائية خففت ضغط البداية المتعثرة، لكنها أبقت الأسئلة نفسها مفتوحة: أي استقرار تقني يحتاجه الفريق، وأي نجاعة هجومية يمكن أن تخرجه من منطق النجاة، وأي مشروع قادر على نقل النادي من وسط ترتيب باهت إلى موقع ينسجم أكثر مع وزن المدينة وجمهورها.







