لم تكن نتائج 23 شتنبر مجرد أرقام عابرة في سجل الانتخابات، بل بدت وكأنها إعلان صريح عن رجة سياسية تعيد رسم ملامح المشهد في عاصمة البوغاز.
فحزب العدالة والتنمية، الذي طوى صفحة الهيمنة قبل 5 سنوات وتراجع إلى الظل، لم يحتج إلى خطابات رنانة أو استدعاء صور الحنين لسنوات قريبة كان فيها الآمر الناهي داخل قصر البلدية ومقاطعات المدينة.
لقد تكفلت صناديق الاقتراع بفرض إيقاعها، معيدة اسم الحزب إلى صدارة النقاش العام، وفارضة حضوره على مدينة اعتقد كثيرون أنها طوت صفحة تيار الإسلام السياسي إلى غير رجعة.
بين التشتت والهيمنة
لكن لغة الأرقام في طنجة لا تخطئ الهدف، بل تصنع مفارقة تستدعي التوقف العميق. ففي تشكيلة المجلس الجماعي المنبثق عن اقتراع 2021، انزوى العدالة والتنمية في ركن ضيق لا يتعدى 8 أعضاء من أصل 81، متجرعا مرارة التراجع بعدما كان يمسك بزمام 49 مقعدا من أصل 85 خلال ولاية 2015.
وبفقدانه الأغلبية المطلقة التي أدار بها شؤون الجماعة والمقاطعات الأربع، تحول المشهد المحلي إلى فسيفساء سياسية تتوزع فيها المقاعد بتوازن حذر، حيث تصدر التجمع الوطني للأحرار بـ14 عضوا، تلاه الاتحاد الدستوري بـ13 عضوا، فيما تساوى الأصالة والمعاصرة والاستقلال بـ12 مقعدا لكل منهما.
وكان هذا التشتت في تركيبة المجلس يوحي بنهاية دورة سياسية كاملة، وتكريس لواقع لا يملك فيه أي طرف مفاتيح القرار المريح. غير أن النتائج الأخيرة لدائرة طنجة أصيلة أعادت خلط الأوراق بطريقة غير متوقعة.
فقد حلقت لائحة “المصباح” بقيادة محمد بوزيدان عاليا، حاصدة 25 ألفا و 886 صوتا، تاركة مسافة شاسعة بينها وبين غريمها الأصالة والمعاصرة الذي اكتفى بـ13 ألفا و 687 صوتا، تلته الحركة الشعبية بـ12 ألفا و 10 أصوات، ثم الاستقلال بـ7 آلاف و 755 صوتا، والتجمع الوطني للأحرار بـ7 آلاف و 199 صوتا.
وفيما كانت عمليات الفرز تطوي 90 في المائة من مكاتب التصويت، كان العدالة والتنمية يستأثر بنسبة تفوق 31 في المائة من الأصوات، مقابل 16 في المائة للأصالة والمعاصرة، لتنطلق مع هذه الأرقام أسئلة لا تبدو لها نهاية قريبة.
أبعد من أسطورة الفينيق
وقد يبدو من السهل الاستسلام لغواية التشبيه بأسطورة طائر الفينيق الذي ينهض من رماده، للحديث عن حزب يحاول استعادة مدينة حكمها لـ6 سنوات متتالية.
غير أن مسارات السياسة المحلية في المغرب عموما، وفي طنجة على وجه الخصوص، تبدو أقل استقامة وأكثر تعقيدا من هذه الصورة الأدبية.
فالعدالة والتنمية لا يحتاج بالضرورة إلى استنساخ نتيجته الكاسحة لعام 2015 كي يحدث تغييرا عميقا في بنية المجلس المقبل.
لقد قام مجلس 2021 على منطق معاكس تماما، حيث غابت الكتلة المهيمنة، وأصبح أكبر فريق لا يتجاوز 14 عضوا. ومن هنا، لا يكمن التحدي المطروح على تشريعيات وجماعيات المرحلة المقبلة في قدرة الحزب على استرجاع مقاعده الـ49، بل في قدرته على العودة بكتلة وازنة قادرة على نسف ميزان القوى الذي تشكل بعد انهياره.
فبين 8 أعضاء ونصف مقاعد المجلس، تمتد مساحة سياسية واسعة تتيح لحزب واحد الانتقال من مقاعد البدلاء إلى موقع محوري يصعب تشكيل أي تحالف أو أغلبية من دون المرور عبر بوابته وأخذ حجمه في الحسبان.
ذاكرة التشريعيات وسؤال الجغرافيا
وللأرقام في مدينة البوغاز ذاكرة تستحق الاستحضار والدراسة. فقبل الاستحقاقات الجماعية لعام 2015، خاض الحزب انتخابات تشريعية جزئية بدائرة طنجة أصيلة في يوليوز من العام نفسه، محققا حينها 26 ألفا و 934 صوتا، ليعقبها باكتساح مطلق للمجلس الجماعي.
واليوم، وبعد أكثر من 11 عاما، يسجل الحزب رقما مشابها يلامس 26 ألف صوت. ورغم التغيرات العميقة التي طالت القاعدة الناخبة والنظام الانتخابي وتوسع النسيج الحضري للمدينة، يطرح هذا التشابه العددي سؤالا جوهريا حول مدى استعادة الحزب لكتلة ناخبة وازنة كانت قد غادرته في المحطة السابقة، وهو تحول يفوق في أهميته استعجال الإجابات الجاهزة.
إلا أن القراءة المتأنية تصطدم بعقدة الجغرافيا. فدائرة طنجة أصيلة تتجاوز في امتدادها الترابي حدود المقاطعات الأربع التي تشكل جماعة طنجة، وهي طنجة المدينة وبني مكادة ومغوغة والسواني.
ولهذا يجعل هذا التباين المجالي من التوزيع الجغرافي للأصوات محددا حاسما لرسم ملامح المستقبل. فإذا كانت هذه القوة التصويتية تتمركز بكثافة داخل النسيج الحضري، فإن ارتدادات 23 شتنبر ستكتسب معنى محليا شديد العمق. أما إذا تبين أن جزءا مهما من الفارق قد صنع في هوامش الدائرة وخارج التراب الجماعي، فإن المقارنة مع استحقاقات 2027 تتطلب قدرا كبيرا من التحفظ.
مجلس يعيد هندسة حساباته
وتتميز الانتخابات الجماعية في طنجة بكونها معارك أحياء وتوازنات اجتماعية بامتياز، تتدخل فيها الحظوظ الشخصية للمرشحين والشبكات الميدانية لتفصل بين شعار الحزب وورقة التصويت.
لذلك، لن تقاس العودة الحقيقية للحزب بحجم الأصوات المحصلة فقط، بل بقدرته على بناء لوائح محلية مقنعة قادرة على تحويل هذا المزاج العام إلى حضور موزع جغرافيا داخل المقاطعات.
ومهما كانت السيناريوهات المحتملة، يجد مجلس طنجة الحالي نفسه أمام واقع جديد. ففي مشهد شديد التشتت، يعني دخول فاعل سياسي بكتلة تصويتية كبيرة تقليصا مباشرا للحيز المتاح لبقية الأحزاب.
وفي هذا السياق، يقرأ الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال والاتحاد الدستوري اليوم جميعا رسائل صندوق تشريعي أثبت أن جزءا من الكتلة الناخبة الذي ابتعد عن العدالة والتنمية، قرر العودة إليه.
ولم تعد طنجة هي طنجة 2015، كما تغيرت الخريطة الحزبية وتبدلت النخب. غير أن متغيرا واحدا دخل إلى الحسابات بعد التشريعيات الأخيرة ليقلب المعادلات.
ولا يتعلق الأمر بعودة مكتملة الأركان ولا بأغلبية مفترضة، بل بحزب أثبت قدرته على حشد آلاف الأصوات وتجاوز منافسيه بمسافة مريحة، دافعا بالسؤال الأهم إلى واجهة الأحداث: ماذا سيحل بخريطة طنجة السياسية القائمة على توازنات هشة، إذا تحول توهج “المصباح” إلى أصوات جماعية داخل المقاطعات الاربع؟







