يبطئ سائق دراجة نارية سرعته قرب رجل يستعد لعبور الشارع في منطقة رياض تطوان بمدينة طنجة، ثم يسأله عن وجهته ويعرض عليه نقله. يهز الرجل رأسه رافضا، فهو لم يكن يبحث عن وسيلة نقل، قبل أن يواصل السائق طريقه نحو عابر آخر يراه زبونا محتملا.
على جنبات الطريق، يقف سائقون آخرون إلى جانب دراجاتهم، يراقبون حركة المارة والسيارات. لا لافتة تشير إلى وجود محطة، ولا صف رسمي يحدد مكان انتظار الركاب، لكن النقطة تحولت تدريجيا إلى موقف شبه ثابت لنشاط بات يعرف محليا باسم «طاكسي موتو».
في هذه المدينة، يتزايد حضور أصحاب الدراجات النارية الذين ينقلون الأشخاص مقابل المال، مستفيدين من ازدحام الطرق وصعوبة العثور على سيارة أجرة أو حافلة في بعض الأوقات.
ولم تعد الخدمة تقتصر على اتصالات هاتفية أو زبائن سابقين، إذ صار سائقون يتمركزون في نقاط محددة، خصوصا قرب الأسواق ومحطات النقل والتقاطعات التي تشهد حركة كبيرة.
وفي مدارة رياض تطوان، يكفي أحيانا أن يتوقف شخص قرب الرصيف أو ينظر إلى الطريق حتى يقترب منه أحدهم عارضا إيصاله.
“نحن لا ننتظر دائما أن ينادينا الزبون. نسأله عن وجهته، وإذا كان يرغب في الذهاب نتفق على السعر”، يقول سائق في الثلاثينات من عمره، طالبا عدم ذكر اسمه.
ويضيف بينما يتابع بعينيه المارة: يمكن أن يكون الشخص ينتظر سيارة أجرة، ويمكن أن يكون فقط يريد عبور الطريق. نسأله، وإذا لم يكن مهتما نتركه ونبحث عن شخص آخر”.
تتم الرحلة بعد تفاوض شفهي لا يستغرق سوى لحظات. يذكر الراكب وجهته، ويقترح السائق مبلغا، ثم يتفقان قبل أن يصعد خلفه وتنطلق الدراجة وسط حركة السير.
وخلافا لفكرة شائعة تربط هذه الخدمة بانخفاض السعر، يعرض سائقون رحلاتهم مقابل مبالغ تقارب ما سيدفعه الزبون في سيارة أجرة للمسافة نفسها.
“لا أقول للزبون إنني أرخص من سيارة الأجرة”، يوضح السائق نفسه. “الفارق هو أنني أصل إليه بسرعة وأوصله في وقت أقصر، خصوصا عندما تكون الطرق مزدحمة”.
بالنسبة إلى الركاب، لا تكمن جاذبية “طاكسي موتو” بالضرورة في الاقتصاد في المال، بل في تجنب الانتظار واختصار زمن الرحلة. فالدراجة تستطيع المرور بين صفوف السيارات والوصول إلى أحياء أو شوارع تصبح حركة النقل إليها بطيئة خلال ساعات الذروة.
يقول شاب يستخدم هذه الخدمة من حين إلى آخر إن السعر “يكون في الغالب قريبا من ثمن سيارة الأجرة”، لكنه يفضل الدراجة عندما يكون مستعجلا.
ويضيف: “في سيارة الأجرة قد أبقى عالقا وسط الازدحام. بالدراجة أصل بسرعة، وهذا هو السبب الذي يجعلني أقبل بالسعر نفسه”.
لا توجد تعريفة رسمية أو عداد يحدد كلفة الرحلة. ويتغير الثمن بحسب المسافة والوجهة وحالة السير، إضافة إلى قدرة كل طرف على التفاوض. وقد يطلب سائق مبلغا مختلفا عن زميل يقف في النقطة نفسها.
ومع اتساع النشاط، بدأت تتشكل قواعد غير مكتوبة بين المشتغلين فيه. فلكل نقطة أوقات يرتفع فيها الطلب، ولكل سائق معرفة بالمواقع التي يخرج منها العمال والطلبة أو يصعب فيها العثور على وسائل النقل.
يتخذ بعضهم مواقف شبه دائمة، بينما يفضل آخرون التجول ببطء قرب الأرصفة. وحين يغادر سائق برفقة راكب، يتقدم آخر ليأخذ مكانه، كما يحدث في مواقف سيارات الأجرة، لكن من دون أي تنظيم رسمي.
وتحولت الدراجة النارية بالنسبة إلى عدد من الشباب من وسيلة تنقل شخصية إلى أداة للعمل. فهي لا تتطلب سوى الوقود والصيانة وهاتفا للتواصل مع الزبائن، بينما يمكن بدء العمل من الشارع مباشرة.
وبحسب العاملين في هذا النشاط، يمكن أن تبلغ المداخيل نحو 300 درهم في يوم عادي، بينما ترتفع خلال الصيف والعطل، مع تزايد حركة السكان والزوار، إلى 700 أو 800 درهم لدى بعض السائقين.
“في الأيام العادية قد يكون العمل متوسطا، لكن في الصيف يتغير كل شيء”، يقول سائق آخر ينتظر زبونا. “يكون الناس كثيرين، والازدحام كبيرا، والكل يريد الوصول بسرعة”.
غير أن هذه المبالغ لا تمثل أرباحا صافية. فالسائق يتحمل كلفة الوقود والصيانة وإصلاح الأعطال وتغيير قطع الغيار. وإذا تعطلت الدراجة أو تعرض لحادث، يتوقف مصدر دخله بالكامل.
ورغم ذلك، يرى مشتغلون في القطاع أن الدخل اليومي أكثر جاذبية من وظائف بأجور شهرية محدودة. ويجمع بعضهم بين نقل الركاب وتوصيل الوجبات والطرود، فتتحول الدراجة نفسها من وسيلة لنقل طلبية إلى «طاكسي» بمجرد ظهور زبون راغب.
لكن السرعة التي تمنح الخدمة جاذبيتها تمثل أيضا مصدر خطر. فالراكب يجلس خلف سائق لا يعرفه، وقد لا تتوفر له خوذة واقية، بينما تتنقل الدراجة بين السيارات والحافلات في شوارع مكتظة.
يقر أحد السائقين بأن بعض الزبائن يترددون بسبب الخوف من الحوادث، لكنه يؤكد أن «الناس يقبلون عندما يكونون مستعجلين».
ولا تقتصر المخاطر على أسلوب القيادة. ففي حال وقوع حادث أو خلاف بشأن السعر، لا يتوفر الراكب على تذكرة أو وصل، ولا توجد جهة مهنية يمكن الرجوع إليها. كما تطرح الرحلات أسئلة بشأن التأمين والمسؤولية عن نقل أشخاص مقابل المال.
ويثير انتشار «طاكسي موتو» استياء سائقين مهنيين يرون فيه منافسة غير متكافئة، خصوصا أن أصحاب الدراجات يستقطبون الركاب من الشارع ويطالب بعضهم بسعر يقارب تعريفة سيارة الأجرة.
يقول سائق سيارة أجرة إن المنافسة لم تعد مرتبطة بالسعر فقط، موضحا أن “سائق الدراجة يقترب من الزبون قبل أن يصل إلى سيارة الأجرة ويقنعه بأنه سيوصله بسرعة أكبر”.
لكنه يضيف أن سيارات الأجرة تعمل ضمن ضوابط والتزامات لا يخضع لها أصحاب الدراجات، معتبرا أن نقل الركاب “لا يمكن أن يظل مفتوحا أمام كل من يملك دراجة”.
في المقابل، يكشف إقبال الزبائن عن حاجة إلى خدمة نقل سريعة ومرنة داخل مدينة تعرف توسعا عمرانيا وضغطا متزايدا على طرقها. فحتى حين يساوي السعر كلفة سيارة الأجرة، يظل بعض الركاب مستعدين إلى دفعه مقابل اختصار الوقت.
ومع غياب أرقام رسمية عن عدد المشتغلين في هذا النشاط، يصعب تقدير حجمه بدقة. غير أن ظهور مواقف شبه ثابتة، خصوصا في نقاط مثل رياض تطوان، وتكرار عرض الخدمة على المارة، يشيران إلى أن الظاهرة تجاوزت الرحلات الفردية المتفرقة.
قرب الرصيف، يتوقف شاب للحظات وينظر إلى الطريق. يقترب منه أحد السائقين ويسأله عن وجهته. يتبادلان كلمات قليلة، ثم يتفقان على مبلغ يقارب ثمن الرحلة بسيارة أجرة.
يصعد الشاب خلفه، وتنطلق الدراجة بين السيارات. وبعد ثوان، يتحرك سائق آخر نحو المكان الذي خلا، ويعود إلى مراقبة المارة، مقتنعا بأن الراكب المقبل قد يكون أي شخص يحاول عبور الشارع.







