على إيقاعات تعود لزمن السبعينيات، تنجح فرق موسيقية شبابية بمدينة طنجة في إعادة الدفء لـ”الأغنية المجموعاتية”، ناقلة إياها من رفوف الذاكرة إلى قلب المقاهي والأحياء الشعبية.
لكن هذا الشغف الجماهيري المتنامي سرعان ما اصطدم بواقع الفضاءات الحاضنة، ليفتح باب النقاش حول كيفية حماية هذا الزخم الفني دون المساس بالسكينة العامة وشروط السلامة.
وتشكل تجربة فرقة “جيل الشمال” نموذجا لافتا لهذا الحراك، حيث استطاعت استقطاب شرائح واسعة من مختلف الأعمار، مكسرة بذلك احتكار القاعات المغلقة للأنشطة الفنية.
وتجاوزت هذه العروض سقف الحنين لدى الأجيال التي عاصرت رواد الظاهرة مثل “ناس الغيوان” و”جيل جيلالة” و”لمشاهب”، لتلامس وجدان شباب اليوم الذين وجدوا في التراث المجموعاتي تعبيرا حيا عن قضاياهم واهتماماتهم.
غير أن تحول المقاهي الملاصقة للتجمعات السكنية إلى مسارح مفتوحة، أفرز تحديات ميدانية لم تكن في الحسبان. فالإقبال الكثيف، الذي تجلى بوضوح مؤخرا في إحدى سهرات حي “بني مكادة” الشعبي، سلط الضوء على ضيق الفضاءات وعجزها عن استيعاب الحشود، مما يطرح تساؤلات جدية حول تدابير الأمان وقدرة هذه الأماكن على ضمان انسيابية الحركة.
هذا الواقع دفع نشطاء مدنيين إلى إطلاق نداءات لتأطير الظاهرة تنظيميا كي لا تفقد بريقها.
وفي هذا الصدد، قاد الناشط الجمعوي محمد زهير حمان نقاشا عبر منصات التواصل الاجتماعي، مشددا على أن الاحتفاء بنجاح هذه السهرات لا ينبغي أن يحجب ضرورة التخطيط الاستباقي.
وأكد حمان أن توفير شروط السلامة وتأمين منافذ الطوارئ، فضلا عن احترام حق السكان في الراحة والتنقل، بات ضرورة ملحة.
وحرص على تبديد أي سوء فهم لموقفه بالقول: “هذه مخاطر محتملة تستوجب الاحتياط والتخطيط، وليست اتهاما للجمهور أو حكما مسبقا على هذه الأمسيات التي نرحب بها”.
وللحفاظ على الطابع العفوي لهذه المبادرات دون خنقها، تبرز مقترحات عملية تدعو إلى استثمار “ملاعب القرب” والساحات العمومية المجهزة لاحتضان العروض الكبرى.
ويقترن ذلك بضرورة إشراك جمعيات الأحياء في التنظيم، ووضع ضوابط واضحة لتوقيت العروض ومستويات الصوت، مع فتح قنوات حوار مستدامة مع الساكنة المحلية لتجنب أي احتقان.
وتضع هذه الحركية الاستثنائية مدبري الشأن المحلي في طنجة أمام معادلة دقيقة؛ تتطلب استيعاب المبادرات الثقافية الشبابية التي تصنع الحدث خارج القنوات الرسمية، وتوفير بدائل مجالية قادرة على استضافة جمهور الفن في الشارع، وفق ترتيبات تحفظ النظام وتحتضن الإبداع في آن واحد.







