لم يؤدِّ توالي قرارات منع الوقفات التضامنية مع الشعب الفلسطيني بمدينة طنجة إلى إخماد جذوة التعبئة المستمرة منذ سنوات؛ غير أنه أماط اللثام عن خلاف عميق بشأن “جدوى” هذه الاحتجاجات وموقعها من المصالح الاستراتيجية للمملكة، في وقت تمضي فيه العلاقات الرسمية مع إسرائيل نحو مستويات متقدمة، بينما يتشبث نشطاء بحقهم الدستوري في إبقاء القضية الفلسطينية حية في الشارع العام.
ويعكس هذا الجدل، الذي تشهده “عروس الشمال” بشكل لافت مقارنة بالتراجع النسبي لهذه التحركات في مدن مغربية أخرى، تباينا صريحا في النظرة إلى العلاقة بين السياسة الخارجية للدولة ومواقف المجتمع المدني.
وقد كشفت المبادرة المغربية للدعم والنصرة، خلال ندوة صحفية عقدتها يوم 20 أكتوبر الجاري، أن حصيلة قرارات منع الوقفات بالمدينة بلغت 15 قرارا، منتقدة ما اعتبرته “تضييقا على الحق في التعبير والتظاهر السلمي”.
ويأتي هذا التطور الميداني في خضم سياق سياسي ودبلوماسي يختلف جذريا عن بدايات استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية؛ إذ اتفق البلدان في شتنبر الماضي، برعاية أمريكية، على الارتقاء بتمثيلياتهما الدبلوماسية إلى مستوى السفارات، في خطوة تؤكد مضي الرباط في مسارها الرسمي رغم الاعتراضات التي يثيرها هذا الملف داخليا.
غير أن النقاش المحلي في طنجة تجاوز تقييم هذا المسار الدبلوماسي ليصل إلى مساءلة وتفكيك الاحتجاج نفسه؛ بل وبلغت حدة السجالات مستوى إطلاق وصف “الكوفيين” في الفضاء العام للإشارة إلى المتظاهرين الذين اتخذوا من الكوفية الفلسطينية علامة بصرية مميزة لحضورهم.
وتستند بعض الأصوات المنتقدة لاستمرار هذه الدينامية الاحتجاجية إلى مقاربة “براغماتية”، تعتبر أن السياسة الخارجية للمغرب ينبغي أن تراعي حصرا التحولات الدولية والتحالفات الضرورية للدفاع عن وحدته الترابية ومصالحه الاستراتيجية.
وترى هذه الفئة أن استمرار وقفات متقاربة زمنيا، وبمشاركة محدودة أحيانا، لم يعد يصنع أثرا سياسيا، وأن العلاقات مع إسرائيل يجب أن تُقاس بما تدره من مكاسب للمملكة وليس فقط بالارتباطات الأخلاقية والسياسية للقضية الفلسطينية.
وعلى النقيض من ذلك، يرفض مناهضو التطبيع السقوط في فخ “المفاضلة” بين القضيتين، مشددين على أن الدفاع عن الصحراء المغربية والتضامن مع الفلسطينيين هما موقفان متكاملان لا يلغي أحدهما الآخر.
ويعتبر هؤلاء أن اختلاف شريحة من المواطنين مع الاختيارات الدبلوماسية الرسمية لا يبرر التشكيك في منسوب وطنيتهم، ولا ينبغي أن يُتخذ مطية للحد من حقهم في الاحتجاج.
وفي قراءة تحليلية تميز بين “المشروعية الدستورية” و”الفعالية الميدانية”، يؤكد الدكتور أحمد العمراني، عضو المكتب المركزي للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، أن حق التظاهر المنصوص عليه في الفصل 29 من الدستور لا يقتصر على المطالب الاجتماعية أو السياسية المحلية، بل يمتد ليشمل القضايا الإنسانية والعربية والإسلامية.
غير أن الفاعل الحقوقي لا يرى في مجرد استمرار الوقفات مؤشرا كافيا على نجاح العمل التضامني؛ إذ يربط إحداث الأثر المطلوب بضرورة تنسيق الجهود، موضحا أن “كثرة الاحتجاجات المتفرقة وذات المشاركة المحدودة دون تنسيق بين كل الجمعيات والهيئات لا تحقق التأثير المنشود وطنياً ودولياً”.
ويشدد المتحدث ذاته على أن الترافع الحقوقي الفعال يتطلب تجاوز الحسابات التنظيمية والاصطفافات الإيديولوجية التي تضعف وتشتت العمل الميداني في طنجة وغيرها.
ويكتسي هذا التقييم أهمية بالغة، كونه يطرح تمييزا بين حق الهيئات في التظاهر وبين مساءلة مردودية هذا التظاهر. فانتقاد تكرار الوقفات، وفق هذه القراءة، لا يعني بالضرورة الاصطفاف مع التطبيع، بل يرتبط بمدى قدرة الفاعلين على تحويل التضامن الشعبي من مجرد “حضور رمزي مكرر” إلى قوة ترافعية ضاغطة.
ولا يفصل العمراني تقييمه للحركة الاحتجاجية عن طبيعة الاختيارات التي تحكم السياسة الخارجية للمملكة؛ موضحاً أن للدولة “استراتيجية” واضحة في تدبير علاقاتها مع القوى الكبرى والتعاطي مع التحولات الجيوسياسية خدمة للقضية الوطنية.
لكنه يستدرك مؤكدا أن هذه الاستراتيجية الرسمية لا تلغي، بأي حال من الأحوال، حق المجتمع المدني في التعبير عن مواقف حقوقية مبدئية تستند إلى المواثيق الدولية، وفي طليعتها حق الشعب الفلسطيني في التحرر.
وتكشف هذه المقاربة عن مساحة شاسعة غالبا ما تضيع في زحمة الاستقطاب؛ فالتعاطي الرسمي مع إسرائيل تحكمه حسابات أمنية ودبلوماسية، لكنه لا يشترط تطابقا مجتمعيا تاما معه. بل يذهب العمراني أبعد من ذلك، معتبرا أن المغرب، بفضل مساره الديمقراطي، قادر على تحويل هذا “الضغط المجتمعي” إلى ورقة دبلوماسية قوية توظفها الدولة في الخارج لخدمة مصالحها، ضمن حدود التوازن بين خيارات المؤسسات وقناعات الشارع.
وتبرز مفارقة المشهد في طنجة اليوم في كون استمرار الوقفات الأسبوعية، الذي يعتبره المنظمون دليلا قاطعا على رسوخ الوعي التضامني، أضحى لدى المنتقدين مدخلاً للتشكيك في الجدوى.
وفي غضون ذلك، أضافت قرارات المنع المتلاحقة بُعداً حقوقياً صرفاً إلى خلاف سياسي بات يتجاوز مجرد الموقف من التطبيع.
وبين التمسك بحرفية الفصل 29 من الدستور الذي يكفل التظاهر السلمي، وبين التذرع بـ”المصالح العليا” والواقعية السياسية، يظل التحدي الأكبر مطروحا على الفاعلين المدنيين والحقوقيين: كيف يمكن تطوير آليات التضامن والانتقال بها من احتجاجات متفرقة رتيبة إلى عمل ترافعي وازن، دون أن يتحول تقييم الفعالية إلى مبرر لتضييق السلطات على مساحات التعبير الحر؟







