على وقع رنين فناجين القهوة وصوت آلة “الإسبريسو” في أحد المقاهي العصرية في طنجة، يعطي طارق (35 عاماً) توجيهاته للعاملين بلغة سلسة تمزج بين العربية الدارجة والريفية.
ولد طارق في روتردام، لكنه قرر قبل ثلاث سنوات تصفية أعماله هناك والانتقال نهائياً إلى طنجة لافتتاح مقهاه الخاص. يقول وهو يرتشف قهوته ناظراً إلى واجهة البحر المتوسط: “في هولندا، ورغم أنني ولدت هناك، كنت أشعر دائماً بسقف زجاجي يحد من طموحاتي، ناهيك عن النظرة الدائمة إلينا كأجانب. هنا، أنا مستثمر في بلدي، أتنفس بحرية، وأسيّر عملاً مربحاً”.
طارق ليس حالة معزولة؛ فهو جزء من موجة هجرة عكسية متنامية لشباب وعائلات من الجيلين الثاني والثالث للمغاربة المقيمين في هولندا. هؤلاء اختاروا طنجة، بوابة أفريقيا، بديلاً عن الأراضي المنخفضة، ليخلقوا واقعاً ديموغرافيا واقتصادياً جديداً في أحياء المدينة الراقية ومجمعاتها السكنية الحديثة، وهي تجمعات صارت تعرف بـ “الأحياء الهولندية”.
وتكشف بيانات المكتب المركزي للإحصاء الهولندي أن عدد المقيمين في هولندا من أصل مغربي بلغ 437 ألفاً و328 شخصاً مطلع عام 2026، بينهم 259 ألفاً و122 ولدوا في هولندا، مقابل 178 ألفاً و206 ولدوا خارجها. وتعكس هذه الأرقام حجم الجالية التي تنحدر منها الأجيال الجديدة المعنية بظاهرة العودة، وإن كانت الإحصاءات الهولندية لا تحدد عدد الذين اختاروا الاستقرار في طنجة.
“نبحث عن نمط حياة، لا مجرد سكن”
في وكالة عقارية غير بعيدة عن محيط “طنجة سيتي سنتر”، يؤكد خبير عقاري، أن طلبات الوافدين من هولندا أحدثت انتعاشة ملحوظة، لكنها غيّرت أيضاً من طبيعة العرض.
ويوضح المتحدث: “زبائننا القادمون من هولندا لا يبحثون عن مجرد جدران. إنهم يطلبون شققاً في إقامات سكنية مغلقة (Résidences) توفر الأمن، مرآب السيارات، والمساحات الخضراء، وغالباً ما يدفعون نقداً. تمركزهم واضح في مناطق مثل مالاباطا، فال فلوري، وإيبيريا، لأنهم يريدون المعيار الأوروبي في السكن، لكن بنكهة مغربية”.
وتظهر بيانات بنك المغرب والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية أن سوق العقار في طنجة سجل خلال الربع الثاني من عام 2026 ارتفاعاً بنسبة 2,3% في أسعار الأصول العقارية، بالتزامن مع زيادة عدد المعاملات بنسبة 11,5%، مقارنة بالربع الأول من السنة نفسها. وتوفر هذه المؤشرات صورة عن حركة السوق العقارية بالمدينة، دون أن تحدد حصة المشترين القادمين من هولندا.
هذه القدرة الشرائية المرتفعة، المدعومة بمدخرات سنوات العمل في أوروبا، تُرجمت ميدانياً إلى مشاريع استثمارية. فإلى جانب المقاهي والمطاعم، تتناسل في طنجة وكالات كراء السيارات الفاخرة، ومراكز الاتصال، وشركات الخدمات الرقمية التي أسسها هؤلاء العائدون.
وتندرج هذه المشاريع ضمن حركة اقتصادية أوسع تشهدها المدينة، إذ أظهرت بيانات المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية أن جهة طنجة تطوان الحسيمة استحوذت خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 على 10,8% من الشركات الجديدة المسجلة على الصعيد الوطني، من أصل 49 ألفاً و897 شركة. كما تصدرت الجهة الترتيب الوطني في إحداث المقاولات الفردية، مستحوذة على 20,5% من أصل 16 ألفاً و380 مقاولة أحدثت بالمملكة خلال الفترة نفسها، وفق أحدث البيانات الصادرة عن المؤسسة في أكتوبر 2026.
أزمة هوية وبحث عن التوازن
خلف الواجهة الاقتصادية، تختبئ دوافع نفسية واجتماعية عميقة. كريمة (29 عاماً)، التي تسيّر الآن وكالة لتنظيم الفعاليات في طنجة بعد انتقالها من أمستردام، تتحدث بمرارة عن المناخ العام في أوروبا.
تقول كريمة وهي ترتب أوراقها: “في السنوات الأخيرة، أصبح النقاش السياسي في هولندا حول الاندماج والهجرة خانقاً. تشعر وكأنك دائماً في قفص الاتهام ومطالب بإثبات ولائك. جئت إلى طنجة بحثاً عن السلام النفسي.. هنا لا أحد يسألني عن هويتي، وفي الوقت نفسه أستفيد من بنية تحتية لمدينة لا تنام وتتطور بسرعة مبهرة”.
وتشكل التحولات الكبرى التي شهدتها طنجة، من ميناء “طنجة المتوسط” إلى قطار البراق السريع والمناطق الصناعية الحرة، مغناطيساً جذب هذه الكفاءات ورؤوس الأموال.
وتعكس المؤشرات الاقتصادية حجم هذه التحولات، فقد أظهرت بيانات المندوبية السامية للتخطيط للربع الثاني من عام 2026 أن جهة طنجة تطوان الحسيمة تستحوذ على 12,1% من القوى العاملة في المملكة، فيما بلغ معدل البطالة وفق التعريف الإحصائي الجديد 6,1%، مقابل 9,5% على الصعيد الوطني.
وخلال النصف الأول من عام 2026، عالج ميناء طنجة المتوسط 84 مليون طن من البضائع، بزيادة 6% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بينما ارتفع رقم معاملات سلطة الميناء بنسبة 8,6% ليبلغ مليارين و479 مليون درهم، وفق البيانات المالية للمؤسسة.
ورغم هذا الاستقرار، لا تعني العودة قطيعة نهائية مع “الوطن الأوروبي”. يشير طارق بيده نحو المطار قائلاً بابتسامة: “نحن لم نقطع الجسور. مطار ابن بطوطة يبعد نصف ساعة، وفي أقل من ثلاث ساعات أكون في مطار سخيبول بأمستردام لزيارة العائلة أو إنهاء بعض الأعمال. لقد أخذنا أفضل ما في العالمين: اقتصاد طنجة الصاعد، وحرفية العمل التي تعلمناها في هولندا”.







