مع ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الإقبال على الشواطئ، لا تبدو رمال البحر مجرد مساحة للجلوس أو اللعب أو المشي حافيا، بل تتحول إلى عنصر صحي مزدوج الوجه؛ فهي تمنح الجسم فوائد مرتبطة بالحركة والاسترخاء والتوازن، لكنها قد تخفي في المقابل مخاطر ميكروبية وجلدية تزيد مع الاكتظاظ، ضعف النظافة، وجود الحيوانات السائبة، وارتفاع حرارة السطح خلال ساعات الذروة.
ويقول خبراء الصحة إن المشي فوق الرمل، خصوصا حين يكون نظيفا ومستويا، يساعد على تنشيط عضلات القدمين والساقين، لأن الجسم يبذل جهدا أكبر للحفاظ على التوازن فوق سطح غير ثابت.
وتظهر دراسات بيوميكانيكية حديثة أن المشي على الرمل يغيّر طريقة الحركة مقارنة بالأرض الصلبة، ويفرض على مفاصل وعضلات الطرفين السفليين عملا إضافيا للتكيف مع سطح قابل للانغراس والانزلاق.
ويجعل هذا الأمر الشاطئ فضاء مناسبا لحركة خفيفة ومفيدة، خاصة عند المشي التدريجي قرب الماء فوق رمل أكثر تماسكا، أو ممارسة ألعاب بسيطة للأطفال والبالغين. كما أن الرمل قد يخفف نسبيا وقع الحركة مقارنة بالإسفلت أو الخرسانة، ما يجعل بعض الأنشطة الشاطئية أقل قسوة من حيث الصدمة المباشرة على القدمين.
لكن هذه الفوائد لا تعني أن المشي حافيا فوق الرمل آمن دائما. فالرمل، بحسب إرشادات صحية دولية، قد يحتوي على كائنات دقيقة تشمل بكتيريا وفطريات وطفيليات وفيروسات، تنتقل إليه عبر فضلات الطيور والحيوانات، أو مياه الصرف، أو الجريان السطحي، أو مخلفات المصطافين.
وتزداد خطورة هذه الكائنات عندما يلامس الأطفال الرمل بأيديهم ثم يضعونها في أفواههم، أو عندما يجلس المصطافون مباشرة فوق الرمل قبل تناول الطعام دون غسل اليدين.
وتشير منظمة الصحة العالمية، في إرشادات جودة المياه الترفيهية، إلى أهمية رصد المؤشرات الميكروبية في رمال الشاطئ، ومنها المكورات المعوية المعوية، بوصفها مؤشرا على تلوث برازي محتمل.
كما توصي إرشادات كندية خاصة بتدبير رمال الشواطئ باعتبار الرمل جزءا من الصحة العامة، لا مجرد عنصر جمالي، لأن رواد الشاطئ يقضون غالبا وقتا أطول فوق الرمل مقارنة بالوقت الذي يمضونه داخل الماء.
وفي دراسة منشورة حول 53 شاطئا بحريا في كاليفورنيا، رصد باحثون انتشار مؤشرات برازية وجرثومية في عينات من الرمل، إذ ظهرت بكتيريا الإشريكية القولونية في نسبة مهمة من الشواطئ التي شملها المسح، فيما كانت المكورات المعوية أكثر انتشارا. ولا تعني هذه النتائج بالضرورة أن كل رمل شاطئي خطر، لكنها تؤكد أن نظافة الرمل لا يمكن الحكم عليها بالنظر وحده.
وتتخذ المخاطر الصحية صورا متعددة. فملامسة الرمل الملوث بفضلات القطط أو الكلاب قد تعرض الجلد لبعض الطفيليات، خصوصا في المناطق الدافئة أو الشواطئ التي تعرف وجودا للحيوانات السائبة.
وتنبه مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة إلى أن بعض الديدان الخطافية الحيوانية قد تخترق الجلد عند المشي حافيا أو الجلوس فوق رمل ملوث، مسببة حكة ومسارات جلدية حمراء.
ولا تقتصر الأضرار على العدوى. فالرمل الساخن في أيام الصيف قد يسبب حروقا في باطن القدمين، خاصة لدى الأطفال وكبار السن ومرضى السكري الذين قد يعانون نقص الإحساس في القدم.
كما قد تخفي الرمال قطعا زجاجية، معادن صغيرة، أصدافا حادة، أو بقايا نفايات قادرة على إحداث جروح، قد تتحول بدورها إلى باب لدخول البكتيريا، خصوصا إذا استمر المصاب في السباحة أو المشي دون تنظيف الجرح.
ويحذر أطباء القدم أيضا من المبالغة في الجري فوق الرمل الرخو أو المائل، لأن السطح غير الثابت قد يزيد الضغط على الكاحل ووتر العرقوب والركبتين، خصوصا لدى الأشخاص غير المعتادين على هذا النوع من الحركة.
لذلك ينصح الخبراء بالبدء بالمشي القصير، اختيار الرمل الأكثر تماسكا قرب الماء، وتجنب الجري الطويل فوق مناطق مائلة أو رخوة جدا.
ويؤكد أطباء في Mayo Clinic أن ارتداء أحذية مناسبة أو صنادل واقية في الشاطئ يساعد على حماية القدمين من الرمل الساخن والأسطح الخشنة والجروح المحتملة، مع ضرورة الانتباه إلى دعم القدم إذا كان الشخص يمشي لمسافات طويلة أو يعاني مشاكل في الكاحل أو القوس الأخمصي.
ولا تلغي هذه التحذيرات متعة الشاطئ أو فوائده. لكنها تضع استعمال رماله ضمن قواعد بسيطة: غسل اليدين قبل الأكل، استعمال منشفة أو حصير عند الجلوس، تفادي دفن الجسم في الرمل الملوث، منع الأطفال من وضع الرمل في الفم، ارتداء أحذية خفيفة عند المشي، تنظيف أي جرح بسرعة، وتجنب الشواطئ التي تظهر فيها نفايات أو روائح أو وجود كثيف للحيوانات.
وبين الفائدة والخطر، تكشف رمال الشاطئ عن وجه صحي لا ينتبه إليه كثير من المصطافين. فهي ليست مجرد مساحة للراحة الصيفية، بل وسط بيئي حي يتأثر بالنظافة، الاكتظاظ، الحرارة، وسلوك الإنسان.
لذلك يصبح تدبير الشاطئ، من تنظيف الرمال ومراقبة جودة المياه إلى منع الحيوانات السائبة وتوفير المرافق الصحية، جزءا من حماية الصحة العامة خلال الموسم الصيفي.







