حين فتحت مبادرة “أسطول الصمود” أشرعتها نحو غزة، وسط تعاطف مغربي واسع مع كل ما يلامس الحصار والمأساة الفلسطينية، اختار محمد الفزازي أن يقف في الجهة التي لا تطلب التصفيق.
فلم يتعامل مع المبادرة بوصفها فعلا تضامنيا خالصا، كما تلقاها كثيرون، بل نظر إليها من زاوية الشك في الخلفيات والجهات والوظائف السياسية.
ومن شاشة هاتفه، لا من منبر مسجد، كتب الرجل عباراته الأكثر إثارة للغضب: “مغرر بهم”، و“أذناب إيران”، قبل أن يتحول النقاش من سؤال التضامن مع غزة إلى سؤال آخر أكثر حدة: هل كان الفزازي يمارس حقه في التحذير من توظيف القضية، أم يطعن في نيات مشاركين اختاروا ركوب البحر باسمها؟
ولم تكن واقعة الأسطول سوى فصل جديد من صورة باتت تلتصق بمحمد الفزازي في المجال العام. فالرجل الذي ارتبط اسمه بسنوات ثقيلة من ملف السلفية الجهادية بعد تفجيرات 16 ماي، ثم عاد إلى الفضاء العمومي بعد العفو الملكي، لم يستقر في هيئة الداعية التقليدي. بل وجد في فيسبوك منبرا أكثر رحابة للعبارة السريعة، وأقل خضوعا لوقار الخطب وطقوس المنابر.
هناك، صار الفزازي مدونا هجومي النبرة، سريع الاشتباك، يكتب كأنه يرفض أن يمر اسمه هادئا في شريط الأخبار.
غير أن الفزازي لا يملك خفة المدون العادي. فكل تدوينة منه تحمل معها ظل الداعية. يكتب في السياسة بقاموس ديني، ويقرأ القضايا العامة بعين متوجسة من الاختراق والتوظيف والولاءات العابرة للحدود.
وفي تصوره، لا يكفي أن ترفع مبادرة ما شعار غزة حتى تُمنح حصانة وجدانية مطلقة. بل يجب، كما يرى، أن تُسأل عن خلفياتها ومن يدفع بها ومن يستثمر رمزيتها. وبهذا المعنى، يقدم نفسه حارسا للمعنى، لا خصما للتضامن.
لكن الجمهور لا يستقبل العبارة كما يرتبها صاحبها في ذهنه. فما يراه الفزازي يقظة، يراه منتقدوه قسوة. وما يعتبره تحذيرا من التوظيف، يقرأه آخرون تشكيكا في نيات أشخاص اختاروا الانخراط في مبادرة مرتبطة بفلسطين.
وحين تدخل النساء في قاموس السجال، يشتد الاعتراض أكثر، لأن النقد لا يبدو عندها موجها إلى الخلفيات السياسية وحدها، بل إلى المشاركين أنفسهم، وإلى صورة الفعل التضامني برمته.
وهنا تحديدا يقف الفزازي في مساحته المفضلة: حافة العبارة. فهو لا يقول كلاما باردا يصلح لكل القراءات، ولا يذهب إلى شتيمة مباشرة تقطع عليه طريق الدفاع عن نفسه. بل يختار صيغا تقف بين الرأي والحكم، بين التحذير والاتهام، وبين نقد الفكرة ولمز أصحابها.
وحين تشتعل العاصفة، يعود إلى دفاعه المألوف: لم أقصد الأشخاص، بل الخلفيات؛ لم أهاجم فلسطين، بل من يوظف فلسطين؛ ولم أطعن في التضامن، بل حذرت من تحويله إلى أداة في يد غير الفلسطينيين.
وفي الجهة المقابلة، لا يرى خصومه في هذه التوضيحات ما يكفي. فالكلمات، بالنسبة إليهم، لا تُقاس فقط بنية صاحبها، بل بأثرها في من تصيبهم. والفزازي، بما يحمله من تاريخ وصورة دينية ورصيد رمزي، لا يكتب من فراغ. فتدوينته ليست تعليقا عابرا لمستخدم غاضب، بل موقف صادر عن شخصية اعتادت أن تتكلم بلهجة من يملك معيارا أعلى للحكم على الوقائع.
ومع ذلك، لا يمكن اختصاره في صورة رجل يفتعل الضجيج طلبا للظهور. فالفزازي يبدو، في الغالب، مقتنعا بما يقول. وقوته وضعفه في هذه النقطة بالذات. فهو لا يكتب بنبرة المناورة، بل بنبرة اليقين. ويرى في الحذر فضيلة، وفي الاشتباه ضرورة، وفي مخالفة العاطفة العامة دليلا على الشجاعة.
لذلك يجد دائما جمهورا يصفق له لأنه “لا يساير الموجة”، كما يجد جمهورا آخر يرى في طريقته ميلا دائما إلى تفتيش الضمائر بدل قراءة الوقائع.
وفي صورته الراهنة، يعيش محمد الفزازي بين زمنين. زمن الداعية الذي يريد للكلمة أن تُسمع بوقار، وزمن المدون الذي يعرف أن العبارة الصادمة أسرع انتشارا من الشرح الطويل. فهو يستعير من الأول سلطة النبرة، ومن الثاني سرعة الاشتباك. لذلك تبدو تدويناته أحيانا مثل خطبة خرجت من محرابها، أو مثل فتوى تنكرت في هيئة منشور فيسبوكي.
ولا يبدو أن الرجل معني كثيرا بالوقوف في الوسط. فالوسط، في لغته، منطقة رخوة. أما الحافة فهي المكان الذي يظن أنه يسمح له برؤية ما لا يراه الآخرون.
ومن هناك يكتب عن إيران، وعن غزة، وعن النساء، وعن “المغرر بهم”، وعن كل قضية يعتقد أن العاطفة العامة منحتها أكثر مما تستحق من البراءة.
ومن هناك أيضا يتلقى الهجوم نفسه: أنه لا يكتفي بتفكيك الخطاب، بل يقترب من محاكمة أصحابه.
ولذلك لا يمر الفزازي بهدوء. فكلما كتب، استدعى معه سيرته كلها: الداعية، والسجين السابق، والعائد إلى المجال العام، والمدون الذي لا يملّ من تحويل الجملة القصيرة إلى ملف طويل.
وبين من يراه صوتا صريحا ضد توظيف القضايا العادلة، ومن يراه وجها لا يتردد في إيذاء المعنى باسم حمايته، يبقى محمد الفزازي عالقا في صورته الأثيرة: مدون يجر خلفه عباءة داعية، ويدافع عن مواقفه من حافة عبارة لا تهدأ.







