كشفت دراسة علمية حديثة أن المساحات الخضراء داخل المدن، رغم دورها في تحسين جودة العيش وتلطيف الأجواء، قد تتحول في بعض الحالات إلى مصدر غير مباشر لزيادة تعرض السكان لحبوب اللقاح المسببة للحساسية، إذا لم تؤخذ نوعية النباتات وطريقة صيانة الحدائق بعين الاعتبار.
الدراسة، المنشورة في مجلة “إنفايرنمنتل مونيتورينغ أند أسيسمنت” التابعة لمنصة Springer العلمية، تناولت العلاقة بين الغطاء النباتي في فضاء أخضر حضري بمدينة تطوان ومستوى الخطر التحسسي المرتبط بحبوب اللقاح، في سياق يتزايد فيه الاهتمام بالتشجير الحضري لمواجهة آثار الحرارة والتغيرات المناخية.
ويأتي هذا العمل العلمي في وقت أصبحت فيه المساحات الخضراء جزءا من برامج التهيئة داخل المدن، ليس فقط باعتبارها فضاءات للترفيه والمشي، بل أيضا كوسيلة لتحسين جودة الهواء وخفض أثر الجزر الحرارية داخل المجال الحضري. غير أن الدراسة نبهت إلى أن هذا التوجه يحتاج إلى تدبير أكثر دقة، حتى لا تتحول بعض أنواع الأشجار والنباتات إلى عامل إضافي لمعاناة الأشخاص المصابين بالحساسية الموسمية أو الربو.
وأوضحت الدراسة أن التغيرات المناخية تزيد من أهمية هذا الموضوع، بسبب مساهمتها في إطالة مواسم التلقيح ورفع مدة تعرض السكان لحبوب اللقاح في الهواء، وهو ما يجعل تقييم الإمكانات التحسسية للنباتات الحضرية عنصرا ضروريا في التخطيط العمراني والصحي.
واعتمد الفريق العلمي على جرد ميداني شامل داخل حديقة حضرية رئيسية بتطوان، شمل تحديد الأنواع النباتية الموجودة، وإحصاء عدد النباتات، وقياس المساحة التي تغطيها، قبل تقييم درجة التنوع النباتي ومؤشر الحساسية المحتمل المرتبط بها.
وسجلت الدراسة وجود 1285 نبتة، تنتمي إلى 75 نوعا نباتيا و36 عائلة، تغطي نحو 44 في المائة من مساحة الحديقة التي شملها البحث. كما أظهرت النتائج مستوى عاليا من التنوع النباتي، مقابل خطر تحسسي منخفض وفق المؤشر المعتمد من طرف الباحثين.
وأرجع الباحثون انخفاض هذا الخطر إلى عدة عوامل، من بينها الصيانة المنتظمة للحديقة، وهيمنة أنواع نباتية تعتمد أساسا على الحشرات في عملية التلقيح بدل الرياح. وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة، لأن النباتات التي تعتمد على الرياح في نشر حبوب اللقاح تكون عادة أكثر قدرة على رفع تركيز هذه الجزيئات في الهواء.
وأظهرت المعطيات الميدانية أن الأنواع النباتية المعروفة بقدرتها العالية على إطلاق حبوب لقاح مسببة للحساسية، مثل أشجار السرو والكازوارينا، سجلت حضورا محدودا داخل الحديقة، إذ لم تتجاوز تغطيتها مجتمعة واحدا في المائة من المساحة الإجمالية.
وبحسب الدراسة، فإن الرصد العام لحبوب اللقاح في هواء المدينة قد يكشف عن تنوع وحمولة مهمين على المستوى الحضري العام، لكنه لا يعكس بالضرورة مستوى الخطر داخل كل حديقة على حدة. ولهذا اعتبر الباحثون أن تقييم الفضاءات الخضراء بشكل منفصل يظل ضروريا لفهم تأثيرها الصحي الفعلي على السكان.
وتبرز أهمية هذه الخلاصة في كون الحدائق داخل المدينة لا تتشابه من حيث تركيبتها النباتية أو طريقة صيانتها أو كثافة استعمالها من طرف السكان. فحديقة ذات تنوع نباتي واسع وصيانة منتظمة قد تسجل خطرا تحسسيا منخفضا، بينما قد تحمل فضاءات أخرى مستويات أعلى من التعرض إذا غلبت عليها أنواع نباتية عالية الحساسية أو ضعفت فيها عمليات الصيانة.
وشددت الدراسة في توصياتها على ضرورة إدماج البعد الصحي في اختيار النباتات الموجهة للفضاءات الخضراء، إلى جانب الاعتبارات الجمالية والبيئية والعمرانية. كما دعت إلى تجنب النباتات الغازية أو عالية الحساسية، وتعزيز التنوع النباتي، واعتماد ممارسات صيانة منتظمة للحد من الآثار المرتبطة بالحساسية الموسمية.
وتنشر الدراسة في سياق توسع مشاريع التشجير والفضاءات الخضراء في مدن شمال المغرب، مع تزايد الحاجة إلى التخفيف من أثر الحرارة داخل المجال الحضري. ويؤكد معدوها أن اختيار النباتات وصيانة الحدائق عاملان حاسمان في تقليص تعرض السكان لحبوب اللقاح، ولا سيما لدى المصابين بالحساسية الموسمية والربو.







