حين تندد مدريد بالاحتلال في الشرق وتكرسه في الغرب، فإنها لا تمارس السياسة، بل تصيغ تعريفا جديدا للنفاق الجيوسياسي.
في أحداث سبتة الأخيرة، لم يكن المغرب يحرس حدود إسبانيا، بل كان يمنع إرثا استعماريا من التحول إلى مقبرة جماعية تبتلع أبناءه.
فعلى الضفة المغربية، واجهت القوات العمومية سيولا بشرية اندفعت نحو السياج والبحر تحت تأثير تحريض رقمي واسع. أوقفت المحاولات، وفرقت التجمعات، وانتشلت شبانا من الماء، متحملة الكلفة الأمنية والإنسانية والسياسية كاملة.
في المقابل، تمترست إسبانيا خلف الأسوار العالية التي أقامتها فوق أرض ليست امتدادها الطبيعي، ليخرج مسؤولوها بخطابات تتلفع بوقار مصطنع حول “السيادة” و”حرمة الحدود”. هكذا يختزل المشهد عبثية الجغرافيا السياسية؛ المغرب يطفئ الحريق، وإسبانيا تتشبث بالرماد كغنيمة.
لم تكن الرباط يوما شريكا في هندسة هذا العبث حتى توضع مع مدريد في كفة واحدة. فالمغرب لم يبن السياج، ولم يزرع هذا الثغر كخنجر في خاصرة الشمال، ولم يحول مدينة إفريقية الهوى والانتماء إلى قلعة أوروبية مسيجة بالخوف، ولم يصنع ذلك التناقض الجغرافي الصارخ الذي يجعل مواطنا مغربيا يرى جزءا من تراب وطنه أمامه، لكنه يحتاج إلى ختم قنصلي لملامسته.
لقد تصرف المغرب كدولة مسؤولة، رافضا أن تتخذ الأرواح حطبا لنزاع سياسي. لكنه، وهو يفرض النظام، لم يبصم على شهادة ملكية لصالح مدريد، ولم يتنازل عن حقه التاريخي.
غير أن العقل السياسي الإسباني يفضل قراءة المشهد عبر مرآة مقعرة، إذ يعتبر الجهد المغربي واجبا، ووجودها في سبتة حقا، وأي مساءلة لهذا الوجود عدوانا. إنها بوضوح شراكة غير متوازنة، ومطالبة صريحة بحماية إرث استعماري يتصادم مع الجغرافيا، ويخاصم التاريخ، ويستفز ذاكرة شعب لم يوقع يوما صك غفران تتنازل بموجبه الأمة عن ثغورها.
المفارقة الأكثر إثارة للسخرية تتجلى في منصات مدريد الأخلاقية اليوم، فإسبانيا تقدم للعالم دروسا بليغة في مناهضة الاحتلال؛ تندد بجرائم إسرائيل في غزة، وتدافع عن حق الفلسطينيين في أرضهم، وترفض فرض الأمر الواقع بالقوة. وهو موقف عادل لا غبار عليه، لكن العدالة التي يتبدل مقاسها بمجرد عبور مضيق جبل طارق، ليست عدالة، بل هي سياسة خارجية تتنكر في مسوح الرهبان.
كيف تستطيع مدريد أن تبصر الاحتلال ساطعا في غزة، ثم يصيبها العمى الاستراتيجي عند أسوار سبتة ومليلية؟ كيف ترفض أن تصنع القوة حقا في الشرق، وتستند إلى القوة ذاتها وعامل الزمن لتصنع لنفسها حقا في شمال إفريقيا؟ المبادئ لا تتغير باختلاف لون العلم المرفوع فوق الأرض المحتلة، ولا يكتسب الاحتلال شرعية فجأة لمجرد أن المحتل أوروبي، أو لأن قواته ترتدي زيا عسكريا لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي.
وتبلغ مسرحية التناقضات ذروتها في ملف جبل طارق. فصخرة الجنوب الإيبيري التي تحتلها بريطانيا، تعتبرها مدريد جرحا استعماريا مفتوحا، ولم تعتبر مرور ثلاثة قرون كافيا لإغلاق الملف. تستدعي الجغرافيا والتاريخ بشراسة عندما تكون هي المطالبة، ثم تلغيهما بجرة قلم عندما يكون المغرب هو صاحب الحق. إنها براعة سياسية نادرة في تصنيف الاستعمار بين مرفوض عندما يمارس ضد إسبانيا، ومقدس عندما تمارسه إسبانيا ضد الآخرين.
ولا يقف العمى الإسباني عند حدود الجغرافيا، بل يمتد ليمارس أبشع أنواع الانتقائية التاريخية. فالدولة التي ترفع صوتها اليوم ضد الجرائم الإنسانية، تخشى النظر في مرآة ماضيها. من محاكم التفتيش إلى الطرد الجماعي لليهود والمسلمين واقتلاع مئات الآلاف من جذورهم الأندلسية، لم تكن إسبانيا شاهدا محايدا، بل مهندسة للمأساة.
وبعد قرون، حملت إسبانيا عنفها مجددا إلى شمال المغرب. لم تأت إلى الريف برسالة حضارية كما زعمت دعايتها الاستعمارية، بل جاءت بطائرات محملة بالغازات السامة، وقصفت القرى والأسواق بأسلحة كيميائية في جريمة حرب لا يزال ملفها يبحث عن اعتراف رسمي من دولة تبرع اليوم في صياغة مواثيق حقوق الإنسان، ثم تصاب بالخرس عندما يقودها الطريق إلى أرشيفها العسكري، وتتذكر حقوق الإنسان فقط عندما تقف أمام الكاميرات.
إن أحداث سبتة الأخيرة لم تكن مجرد موجة عبور عابرة، بل كانت صرخة تعيد صياغة السؤال المركزي؛ من خلق هذا الشذوذ التاريخي الذي يجعل المغرب مطالبا بإطفاء حرائق تندلع حول وضع استعماري تصر إسبانيا على تحنيطه؟
لا يطالب المغرب مدريد بأن تصمت عن غزة، بل يطالبها بألا تجعل من غزة منصة لغسل ذاكرتها الاستعمارية. فالتنديد بجرائم إسرائيل لا يمحو خطايا الريف، والدفاع عن فلسطين لا يحول سبتة إلى مقاطعة إيبيرية.
فقبل أن تنصب إسبانيا نفسها محاميا لضحايا الاحتلال في المحافل الدولية، عليها أن تتأمل ما وراء أسوار سبتة، وأن تسأل نفسها سؤالا وجوديا حول الأسباب التي تجعل أرضا تزعم أنها إسبانية خالصة، في حاجة إلى جيوش مدججة، وأسياج شائكة، واستنفار مغربي دائم لكي تبقى كذلك. فالحق الذي يحتاج إلى الأسلاك الشائكة ليثبت وجوده، ليس في جوهره سوى احتلال يرتعد خوفا من اسمه الحقيقي.







