حمزة الحساني
في مدينة طنجة، حيث تتعانق أمواج البحرين مع تاريخ ممتد من العلم والصلاح، وبعيداً عن صخب الحياة العصرية ومغرياتها التي تخطف الأبصار، يبرز اسمٌ نَقش حروفه من نور في سجل الخالدين؛ إنه الشيخ محمد الهبطي، رجل أفنى زهرة شبابه وخريف عمره في خدمة كتاب الله، تعلماً وتعليماً وتطبيقاً، لم يكن الشيخ يوماً باحثاً عن الأضواء أو متزلّفاً للمنابر، بل اختار زوايا المساجد ودور القرآن ليصنع أجيالاً تحمل النور في صدورها، مقدماً نموذجاً حياً للعالم العامل، والمربي الفاضل، والأب الروحي الذي يترجم آيات القرآن إلى واقع يمشي على الأرض.
ثوب المسكنة وعَبَق السلف الصالح
من تتاح له فرصة القرب من الشيخ الهبطي، يدرك على الفور أنه أمام شخصية استثنائية أعادت إحياء سيرة السلف الصالح في زمن الماديات، فهو رجل عُرف بتواضعه الجَمّ، ولين جانبه، يرتدي “ثوب المسكنة” متجرداً من كل كبر أو خيلاء، يعيش بين الناس كواحد من بسطائهم، لا يميزه عن عامة طنجة سوى هيبته الوقورة، وابتسامته الصادقة، ونور الطمأنينة الذي يكسو محياه، يمشي على قدم الصالحين، خافضاً جناحه للمؤمنين، لا ينتظر شكراً ولا جزاءً، بل يرى نفسه خادماً صغيراً في مائدة القرآن العظيمة، وهو ما جعل القلوب تهوي إليه، وتحيطه بهالة من الاحترام الصامت والإجلال العميق.
ملاذ الشباب في زمن المشتتات
في عصر تكاثرت فيه المشتتات، وتلاطمت فيه أمواج الفتن التي تستهدف الشباب، يقف الشيخ الهبطي كمنارة هادئة وحصن حصين، وإلى جانب مهمته في التدريس، أخذ الشيخ على عاتقه مهمة “الاحتضان النفسي والروحي” لشباب طنجة، بابه مفتوح ومجلسه متاح؛ يستمع إلى حيرتهم، ويجيب على تساؤلاتهم بصدر رحب.
لا يُعنّف ولا يُنفّر، بل يعتمد النصح الدائم بتواصل طيب وأسلوب يقرب المسافات، يستميل قلوبهم بالموعظة الحسنة والكلمة الطيبة، مدركاً أن الشاب اليوم يحتاج إلى من يفهمه قبل أن يحكم عليه، وبهذا المنهج النبوي، أنقذ الكثيرين من براثن الضياع، وأعادهم إلى جادة الصواب بلطف المربي وحكمة العارف.
قلب طنجة النابض بالتعليم العتيق
لقد ارتبط اسم الشيخ الهبطي بقطاع “التعليم العتيق” في مدينة البوغاز ارتباطاً وثيقاً، حتى غدا أحد أعمدته الراسخة، لكن، ما ميز مسيرته داخل هذا القطاع ليس فقط الحفاظ على التلقين التقليدي للقرآن العظيم باللوح والصلصال، بل قدرته على بث الروح في هذه المؤسسات لتكون محاضن تربوية متكاملة، توازن بين الأصالة ومقتضيات العصر.
“أبو اليتامى”.. دمج العبادة بالرعاية الاجتماعية
إن العلامة الفارقة في حياة الشيخ محمد الهبطي، والتي جعلته شامة في جبين العمل الخيري والتعليمي، هي عنايته الفائقة بـ “اليتامى”، لقد أدرك الشيخ ببصيرته النافذة أن اليتيم الذي فقد السند العائلي، معرض للانكسار أو الانحراف إذا لم يجد يداً حانية تنتشله. تصدى الشيخ لمهمة كفالة اليتامى، فجعلهم في صلب اهتمامه اليومي، لم يكتفِ بتوفير المأوى أو المأكل، بل أدخلهم في رحاب القرآن ليجبر كسرهم بكلام الله، سهر على تحفيظهم، ورعايتهم رعاية الأب الشفيق لأبنائه، فيتابع تفاصيل حياتهم، وصحتهم، ولباسهم، واستقرارهم النفسي.
صناعة المواطن الصالح
لم يقف طموح الشيخ عند حدود التحفيظ الآلي، بل كان هدفه الأسمى هو “إنبات هؤلاء اليتامى نباتاً حسناً”، فاشتغل على بناء شخصياتهم ليكونوا أفراداً أسوياء، متشبعين بقيم التسامح والوسطية والاعتدال، زرع فيهم حب الأمة والوطن، ليخرجوا إلى المجتمع مواطنين صالحين وفاعلين، يحملون رسالة القرآن في عقولهم وأخلاقهم، ويدافعون عن ثوابت أمتهم متسلحين بالعلم والخلق القويم.
سدّ الثغر الذي غفل عنه الآخرون
في الوقت الذي انشغل فيه الكثير من المشتغلين في قطاع التعليم العتيق ودور التحفيظ بالجانب الأكاديمي الصرف، أو بتخريج الحفظة دون التفات للظروف الاجتماعية الدقيقة للمتعلمين، غفل الكثيرون عن هذه الفئة الهشة (اليتامى) التي أوصى بها الله ورسوله أشد الوصية، وهنا، انبرى الشيخ محمد الهبطي ليقوم بهذا الثغر العظيم، مؤدياً خدمة متميزة وجليلة، إنه بتفرغه لهذا العمل المزدوج (التعليم والكفالة)، إنما ينوب -إن شاء الله- عن أهل القطاع وعن المجتمع بأسره في أداء “فرض كفاية” عظيم، رافعاً الحرج عن الأمة، ومقدماً درساً بليغاً في أن دور القرآن يجب أن تكون مؤسسات للرعاية الاجتماعية والتنمية الإنسانية قبل كل شيء.
خلاصة القول ..
إن الحديث عن الشيخ محمد الهبطي ليس مجرد سرد لسيرة ذاتية، بل هو توثيق لمدرسة تمشي على قدمين، مدرسة عنوانها نكران الذات، ومضمونها القرآن، وثمرتها أيتامٌ أصبحوا قادة وحفاظاً، وشبابٌ وجدوا طريقهم إلى النور، سيبقى غرسه في يتامى طنجة وشبابها صدقة جارية لا ينقطع مدادها، وشاهداً حياً على أن الأمة لا تزال تنجب رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه، نسأل الله أن يبارك في عمره وعمله، وأن يجزيه عن القرآن وأهله، وعن أيتام المسلمين، أوفى الجزاء وأتمه؛ ولا التفات لأي مغرض، فالملتفت لا يصل.







