مع بداية الصيف، يعود الماء إلى واجهة النصائح الصحية اليومية، لكن إرشادات حديثة ودراسات طبية تشير إلى أن الوقاية من الجفاف لا تقاس فقط بعدد القنينات التي يستهلكها الشخص، بل بطريقة الشرب، ونوع المشروبات، وحالة الجسم، والسن، وطبيعة النشاط اليومي.
وتوصي منظمة الصحة العالمية، في إرشاداتها الخاصة بموجات الحر، بشرب الماء بانتظام، بمعدل كوب كل ساعة، وما لا يقل عن لترين إلى ثلاثة لترات في اليوم أثناء الحر، مع تجنب الكحول والإفراط في الكافيين.
وفي تصريح نشره المكتب الإقليمي للمنظمة في أوروبا، قالت تيكلا هوث، من المركز الاتحادي للتثقيف الصحي في ألمانيا، إن القاعدة العملية خلال الحر هي: “كوب كل ساعة، سواء شعر الشخص بالعطش أم لا”.
وتبدو هذه العبارة مفتاحا لفهم ما يسميه أطباء “العطش المتأخر”. فالإنسان قد يبدأ في فقدان السوائل قبل أن ينتبه إلى ذلك، خصوصا عند المشي الطويل، أو العمل تحت الشمس، أو قضاء ساعات في وسائل النقل والأسواق والشواطئ.
ولهذا لا تكمن المشكلة في قلة شرب الماء فقط، بل في ترك الجسم حتى يرسل إنذاره بعد أن يكون قد دخل فعلا في حالة نقص سوائل.
وتؤكد ورقة تدريبية صادرة عن المعهد الوطني الأمريكي للسلامة والصحة المهنية، التابع لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، أن الماء “كاف في العادة” للحفاظ على الترطيب أثناء العمل في الحر، لكنها تنبه في الوقت نفسه إلى ضرورة الشرب قبل الإحساس بالعطش.
وتوصي الورقة العمال المعرضين للحرارة بشرب كوب، أي نحو 240 ملليلترا، كل 15 إلى 20 دقيقة، بدل شرب كميات كبيرة على فترات متباعدة.
وتضيف الورقة أن الشرب على فترات قصيرة أكثر فعالية من تناول كميات كبيرة دفعة واحدة. لكنها تحذر أيضا من المبالغة، إذ لا ينبغي تجاوز لتر ونصف لتر تقريبا من السوائل في الساعة، لأن الإفراط في الماء أو غيره من السوائل قد يخفض تركيز الملح في الدم، وهي حالة طبية خطيرة تعرف بنقص صوديوم الدم.
وتكسر هذه المعطيات فكرة شائعة مفادها أن الحل في الصيف هو “شرب أكبر كمية ممكنة” فقط. فالتوازن أهم من الكمية العشوائية. الجسم يحتاج إلى ماء موزع على اليوم، ومعه وجبات منتظمة تساعد على تعويض جزء من الأملاح المفقودة مع العرق.
أما من يتعرض لتعرق متواصل لساعات، فقد يحتاج أحيانا إلى مشروبات تحتوي على إلكتروليتات، لكن ذلك لا يجعلها بديلا يوميا عن الماء بالنسبة إلى عامة الناس.
وتشير الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية، في رأي علمي حول القيم المرجعية للماء، إلى أن المدخول الكافي من الماء يبلغ نحو 2.5 لتر يوميا للرجال و2 لتر للنساء، على أن هذه الأرقام تشمل الماء الموجود في الطعام والمشروبات، ولا تخص فقط الماء الصافي.
كما أن هذه القيم وضعت في ظروف حرارة معتدلة ونشاط بدني متوسط، ما يعني أن الحاجة قد ترتفع مع الحر أو الجهد أو المرض.
وتظهر المشكلة بشكل أوضح لدى كبار السن. ففي مراجعة علمية نشرها الباحثان لاري كينني وبول تشيو حول تأثير العمر في العطش وتناول السوائل، خلصا إلى أن الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم 65 عاما يظهرون، عند التعرض للحرارة أو الجهد أو نقص السوائل، إحساسا أقل بالعطش وتناولا أقل للسوائل، وأن استعادة توازن الماء في أجسامهم تكون أبطأ مقارنة بغيرهم.
وهذا يجعل انتظار العطش قاعدة غير آمنة بالنسبة إلى فئات واسعة، مثل كبار السن، والمرضى المزمنين، والأطفال، والعمال في الفضاءات المفتوحة.
فالطفل قد ينشغل باللعب ولا يطلب الماء، والمسن قد لا يشعر بالعطش بالحدة نفسها، والمريض الذي يتناول أدوية مدرة للبول أو أدوية للضغط قد يحتاج إلى انتباه أكبر لتوازن السوائل.
ولا يتعلق الأمر بالماء وحده. فبداية الصيف ترافقها عادة استبدال الماء بالمشروبات الغازية، والعصائر الصناعية، ومشروبات الطاقة، والقهوة المثلجة.
غير أن تقريرا سريريا للأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال يميز بوضوح بين المشروبات الرياضية ومشروبات الطاقة. فالمشروبات الرياضية قد تكون مفيدة في حالات محددة من الجهد البدني الطويل، لكنها ليست ضرورية للطفل أو المراهق في النشاط اليومي العادي.
أما مشروبات الطاقة، فتقول الأكاديمية إنها غير مناسبة للأطفال والمراهقين بسبب محتواها من المنبهات.
وتذهب الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال إلى أبعد من ذلك، إذ تدعو إلى جعل الماء، وليس المشروبات الرياضية أو مشروبات الطاقة، المصدر الرئيسي للترطيب لدى الأطفال والمراهقين.
كما تحذر من أن الاستهلاك الروتيني للمشروبات الرياضية الغنية بالكربوهيدرات قد يرفع السعرات الحرارية، ويزيد خطر زيادة الوزن وتآكل الأسنان.
وتدعم مراجعة منشورة في مجلة “نيوتريشن ريفيوز” هذه النظرة الأكثر تركيبا للماء، إذ خلص باحثون بقيادة باري بوبكين إلى أن الترطيب يرتبط بآليات جسمية معقدة، وبأنماط استهلاك السوائل، وبالأداء البدني والذهني، وليس فقط بفكرة بسيطة مفادها أن كل سائل يؤدي الوظيفة نفسها.
وتكتسب هذه الخلاصات أهمية خاصة في المدن الساحلية والسياحية مع بداية الصيف، حيث يرتفع استهلاك المشروبات الباردة والسكرية، وتطول فترات المشي، ويكثر التعرض للشمس في الأسواق والشواطئ ومحطات النقل.
في هذه الحالات، قد يشعر الشخص بأنه “يشرب كثيرا”، لكنه في الواقع يستهلك سوائل لا تعوض الماء بالفعالية نفسها، أو يشرب في توقيت متأخر، أو يخلط بين الانتعاش الفوري والترطيب الحقيقي.
ويقول خبراء الصحة إن المؤشرات العملية التي ينبغي الانتباه إليها تشمل الصداع الخفيف، الدوخة، التعب غير المعتاد، جفاف الفم، قلة التبول، أو تحول لون البول إلى درجة داكنة. ولا تعني هذه العلامات دائما حالة خطيرة، لكنها تكشف أن الجسم بدأ يفقد توازنه، وأن التعامل مع الحر ينبغي أن يبدأ قبل الوصول إلى مرحلة الإنهاك.
ومع دخول الصيف، لا يبدو السؤال الصحي الأدق هو: هل شربنا كثيرا؟ بل: هل شربنا في الوقت المناسب، وبالطريقة المناسبة، وهل جعلنا الماء أساس الترطيب بدل تحويل المشروبات الباردة إلى بديل مخادع؟







