تدخل دائرة الحسيمة انتخابات 23 شتنبر 2026 بخريطة يصعب فصل حاضرها عن التحولات التي عرفتها خلال الاستحقاقات السابقة، بعدما انتقلت من هيمنة واضحة لحزب الأصالة والمعاصرة سنة 2016، إلى توزيع المقاعد على أربعة أحزاب سنة 2021، ثم إلى تعديل جديد في الانتخابات الجزئية لسنة 2022 أخرج الحركة الشعبية وأدخل الاتحاد الاشتراكي.
وتكشف مقارنة المحطات الثلاث أن المنافسة الحالية لا تدور فقط حول أربعة مقاعد، بل حول قدرة أحزاب فقدت جزءا من قوتها على استعادته، وأخرى صعدت خلال السنوات الأخيرة على تثبيت مكاسبها، فيما تواجه تشكيلات ثالثة اختبار نقل رصيدها الانتخابي إلى وكلاء لوائح جدد.
وتزداد حساسية هذه المقارنة لأن انتخابات 2026 لا تعيد الأحزاب إلى نقطة البداية نفسها. فبعضها يدخل السباق برصيد انتخابي صاعد، وبعضها يدافع عن موقع تقلص خلال العقد الأخير، بينما تراهن قوى أخرى على استعادة مقاعد فقدتها أو تحويل اقتراب سابق من العتبة إلى تمثيل فعلي داخل مجلس النواب.
من الهيمنة إلى التوازن
وكان الأصالة والمعاصرة القوة الأبرز في انتخابات 2016، حين انتزع مقعدين من أصل أربعة بواسطة محمد الحموتي وعمر الزراد، بينما تقاسم الاستقلال والحركة الشعبية المقعدين الآخرين عبر نور الدين مضيان ومحمد الأعرج. وبقي التجمع الوطني للأحرار والاتحاد الاشتراكي خارج التمثيلية البرلمانية.
لكن موازين 2021 جاءت مختلفة. فقد فقد الأصالة والمعاصرة مقعده الثاني، بينما دخل التجمع الوطني للأحرار إلى دائرة الفائزين، وأصبحت المقاعد الأربعة موزعة بالتساوي بين الاستقلال والأحرار والأصالة والمعاصرة والحركة الشعبية.
وتصدر نور الدين مضيان النتائج بأكثر من 22 ألف صوت، يليه بوطاهر البوطاهري بأزيد من 19 ألفا، بينما حصل محمد الحموتي ومحمد الأعرج على أكثر من 14 ألف صوت لكل منهما.
وتظهر المقارنة بين المحطتين أكبر تراجع لدى الأصالة والمعاصرة، الذي انتقل من مقعدين إلى مقعد واحد، مقابل صعود واضح للأحرار من خارج التمثيلية إلى المرتبة الثانية، بينما حافظ الاستقلال والحركة الشعبية على موقعهما داخل البرلمان.
غير أن الانتخابات الجزئية لسنة 2022 عدلت هذا التوازن مرة أخرى. فقد تصدر الأحرار بـ10 آلاف و259 صوتا، متبوعا بالأصالة والمعاصرة بـ9 آلاف و416، ثم الاستقلال بـ7 آلاف و955، فيما انتزع الاتحاد الاشتراكي المقعد الرابع بـ7 آلاف و103 أصوات.
وبينما حافظت ثلاثة أحزاب من خريطة 2021 على مقاعدها، خسر محمد الأعرج والحركة الشعبية مقعدهما لصالح عبد الحق أمغار والاتحاد الاشتراكي، في أبرز تحول أحدثته الانتخابات المعادة.
رابحون وخاسرون
ويظهر التجمع الوطني للأحرار في مقدمة الأحزاب التي حسنت موقعها بين 2016 و2022. فبعد بقائه خارج المقاعد سنة 2016، انتزع مقعدا في 2021، ثم تصدر الانتخابات الجزئية في السنة التالية، وهو مسار يجعله يدخل انتخابات 2026 مدافعا عن مكسب تحقق تدريجيا خلال آخر استحقاقين.
أما الأصالة والمعاصرة، فتبدو وضعيته معاكسة. فقد فقد الحزب موقع الهيمنة الذي كان يملكه سنة 2016، لكنه لم يخرج من دائرة القوى الرئيسية، إذ حافظ محمد الحموتي على مقعده في 2021 ثم في جزئيات 2022، ما جعل الحزب ينتقل من قوة تملك نصف مقاعد الحسيمة إلى قوة تدافع عن مقعد واحد.
وحافظ الاستقلال بدوره على مقعده عبر المحطات الثلاث، لكن بأوزان مختلفة. فقد كان ثالثا سنة 2016، ثم تصدر انتخابات 2021، قبل أن يتراجع إلى المرتبة الثالثة في اقتراع 2022. وتكشف هذه النتائج أن الحزب حافظ على حضوره البرلماني رغم تغير حجم رصيده وموقعه بين المتنافسين.
في المقابل، تحمل الحركة الشعبية أكبر خسارة بين 2021 و2022. فمحمد الأعرج، الذي حافظ على مقعده منذ 2016 وفاز مجددا في اقتراع 2021 الملغى، تراجع إلى المركز السادس في الانتخابات الجزئية وخسر موقعه البرلماني.
وكان المستفيد المباشر هو الاتحاد الاشتراكي، الذي ظل خارج المقاعد في 2016 و2021 قبل أن يصعد إلى المركز الرابع سنة 2022 وينتزع عبد الحق أمغار المقعد الأخير.
ولا يبتعد الاتحاد الدستوري كثيرا عن هذه المعادلة، إذ حصل في انتخابات 2022 على 6 آلاف و965 صوتا، مقابل 7 آلاف و103 للاتحاد الاشتراكي، أي أن 138 صوتا فقط فصلته عن المقعد الرابع. ويمنح هذا الفارق الحزب موقعا مختلفا عن بقية اللوائح التي بقيت بعيدة عن عتبة المنافسة.
اختبار 2026
وتحمل انتخابات 2026 مقارنة من نوع آخر، ترتبط هذه المرة باستمرار الأسماء أو تغيرها داخل الأحزاب نفسها.
فالأصالة والمعاصرة يواصل الرهان على محمد الحموتي، الذي يمثل أكثر الأسماء استمرارا في الدائرة، بعدما فاز في 2016 و2021 ثم في جزئيات 2022. ويعيد الاتحاد الاشتراكي بدوره تزكية عبد الحق أمغار للدفاع عن المقعد الذي انتزعه في آخر اقتراع. كما تعيد الحركة الشعبية محمد الأعرج إلى السباق في محاولة لاسترجاع موقع فقدته قبل أربع سنوات.
في الجهة المقابلة، يدخل حزبان من أصحاب المقاعد الحالية بوكلاء مختلفين. فقد اختار التجمع الوطني للأحرار كريم البوطاهري بدلا من بوطاهر البوطاهري، فيما دفع الاستقلال بمحمد الحموداني مكان نور الدين مضيان.
وتضع هذه التغييرات الحزبين أمام اختبار مختلف عن منافسيهما. فالأحرار مطالبون بالحفاظ على صدارة حققها بوطاهر البوطاهري سنة 2022، بينما يحتاج الاستقلال إلى إثبات أن الرصيد الذي حافظ له على مقعد منذ 2016 لا يرتبط فقط باسم نور الدين مضيان.
أما الاتحاد الدستوري فيخوض السباق بلطيفة أعبوث، وهو يحمل أقرب نتيجة سابقة إلى المقاعد بين الأحزاب غير الممثلة حاليا، فيما يراهن العدالة والتنمية على حنان المعروفي، والتقدم والاشتراكية على محمد بودرة، وتحالف اليسار على ياسين الفاسي.
وتكشف المقارنة بين 2016 و2021 و2022 أن الحسيمة لم تمنح أي حزب ضمانة ثابتة باستثناء استمرار حضور الاستقلال والأصالة والمعاصرة داخل التمثيلية، بينما انتقل الأحرار من خارج المقاعد إلى الصدارة، وصعد الاتحاد الاشتراكي على حساب الحركة الشعبية.
لذلك يدخل اقتراع 2026 تحت ثلاثة اختبارات متوازية، قدرة الحموتي وأمغار على تثبيت مكاسب قائمة، وقدرة الأعرج على استعادة مقعد ضاع سنة 2022، وقدرة الأحرار والاستقلال على الاحتفاظ بخزانيهما الانتخابيين بعد تغيير رأسي اللائحتين.
وتجعل هذه المقارنة المقاعد الأربعة مفتوحة على إعادة ترتيب جديدة، خصوصا أن آخر اقتراع أظهر أن فارقا لا يتجاوز 138 صوتا كان كافيا للفصل بين التمثيل البرلماني والبقاء خارجه.







