لم تكن الدورات العادية لمجالس المقاطعات الأربع بطنجة، الأسبوع الماضي، مجرد مواعيد تدبيرية رتيبة، بل بدت أقرب إلى عرض مكشوف لما آلت إليه مؤسسات يفترض أنها وُجدت للقرب.
فإذا بها، في لحظات كثيرة، تتحول إلى سيرك سياسي صغير: أسماء تتحرك، ومداخلات تتصادم، وبلاغات تخرج، وتصريحات ترد على تصريحات، بينما تظل جداول الأعمال في الخلفية مثل ديكور باهت لا ينتبه إليه أحد إلا عند التصويت.
في طنجة المدينة، ترأس عبد الحميد أبرشان دورة بدت، في ظاهرها، منظمة وهادئة. غير أن مضمونها لم يكن في حجم الصخب السياسي الذي يحيط عادة بهذه المقاطعة.
فقد توزع جدول الأعمال بين تحيين مقرر إداري متعلق بالهيكلة، وتذكير بملتمس بناء مقر جديد، وتأجيل ملتمس إصلاح القاعة المغطاة بدر، ثم تقديم معطيات حول الإنارة العمومية وتهيئة الشواطئ استعدادا للصيف.
ومع أن أسماء عدة حضرت، من إدريس الريفي التمسماني وعبد الواحد بولعيش إلى يوسف بنجلون ونفسية العلمي العروسي ولطيفة الزباير، فإن السؤال الذي كان يفترض أن يطارد القاعة ظل أبسط من كل خطابات التعاون والنجاعة: ماذا خرج به سكان طنجة المدينة غير دورة موثقة بالصور وبعض العبارات الجاهزة عن سياسة القرب؟
هنا يبدأ السيرك بمعناه السياسي لا التهكمي فقط. فثمة خشبة واسعة، وأسماء كثيرة، وقرار قليل. وحين يصبح أقصى ما تقدمه دورة مقاطعة في قلب طنجة تحيين هيكلة داخلية، وتذكيرا بملتمس قديم، وتأجيلا لملتمس آخر، فلا غرابة أن يبحث جزء من المشهد عن ضجيج يعوض فقر المادة. فالفراغ لا يبقى فارغا طويلا في السياسة المحلية؛ إذ يملؤه الكلام، وتملؤه الصور، وتملؤه المناورات الصغيرة.
خشبة بني مكادة
أما في بني مكادة، فقد انتقل السيرك من المجاز إلى المشهد شبه الكامل. فهذه مقاطعة بحجم ديمغرافي ثقيل، وبتراكمات عمرانية وخدماتية لا تحتاج إلى كثير شرح. لذلك كان يفترض أن تمنح لدورتها وزنا خاصا، خصوصا أن جدول الأعمال لامس ملفات قريبة من يوميات السكان: حاويات تحت أرضية، وشواهد إدارية مرتبطة بالماء والكهرباء، ومشاكل السير والجولان، وسيارات إسعاف، وآليات ومعدات، واستعدادات الصيف، والدخول المدرسي، وبرنامج الأحياء الناقصة التجهيز. غير أن هذه العناوين، على أهميتها، لم تصمد طويلا أمام جاذبية الصخب السياسي.
لقد اختطفت الواجهة واقعة جمال العومي. مداخلة، فاحتجاجات، فتنديد، فتلويح بالانسحاب، ثم طرد من القاعة بإجماع الحاضرين.
وفجأة، لم يعد السؤال: ماذا ستفعل المقاطعة للاكتظاظ؟ وكيف ستُبسط الشواهد؟ ومن سيوفر سيارات الإسعاف؟ ومتى تصل الآليات؟ بل صار السؤال: ماذا قال العومي؟ ومن رد عليه؟ وهل اعتذر؟ ومن انسحب؟ ومن ربح نقطة أخلاقية في معركة جانبية؟
ثم دخل أحمد بروحو، رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس جماعة طنجة، إلى الحلبة بتوصيفات قاسية، فربط العومي بالرئيس واعتبره من “إنتاجه” و“غلاته”، وتحدث عن “كائنات انتخابية” بلا قيمة مضافة.
وهكذا، لم نعد أمام نقاش تدبيري حول مقاطعة منهكة بتفاصيلها اليومية، بل أمام معركة ألفاظ داخل سيرك أكبر: استقلالي يثير الغضب، وإسلامي يرد بالقذائف الكلامية، ومجلس يطرد، وأجندة السكان تُرحل إلى الهامش.
والحال أن الأخطر من الواقعة نفسها أن محمد الحريقي، نائب رئيس مجلس مقاطعة بني مكادة، كان يتحدث في الدورة ذاتها عن ملتمسات للمجلس الجماعي: تبسيط الإجراءات، والسير والجولان، والحاويات تحت أرضية، وتوسعة الطرق، وإضافة وسائل العمل.
وهذه، في حد ذاتها، وثيقة إدانة لنظام القرب كما يمارس اليوم. فالمقاطعة التي يفترض أن تكون باب المواطن الأول لا تملك غالبا غير رفع الملتمسات إلى باب آخر. يطرق المواطن باب المقاطعة، وتطرق المقاطعة باب الجماعة، وتنتظر الجماعة الميزانية أو التنسيق أو الدراسات، ثم يعود المواطن إلى الزقاق نفسه، والحاوية الغائبة نفسها، والشهادة المؤجلة نفسها، والطريق المختنق نفسه.
الملتمس كأرجوحة
وعلى هذا النحو، صار الملتمس داخل مقاطعات طنجة مثل أرجوحة في السيرك: يتحرك كثيرا ولا يصل إلى أي مكان. يرفعه المنتخبون بحماس، ويمر عبر التصويت، ويدخل في المحاضر، ثم يذهب إلى رف الانتظار. ملتمس لبناء مقر، وملتمس لإصلاح قاعة، وملتمس للحاويات، وملتمس للسير، وملتمس للآليات، وملتمس للشواهد. وبعد كل دورة، ينتج المجلس لغة انتصار صغيرة: ناقشنا، وصادقنا، وراسلنا، والتمسنا، ونبهنا.
لكن السكان لا يعيشون داخل المحاضر. فلا يضيء لهم الملتمس شارعا، ولا يفتح لهم قاعة مغلقة، ولا يحل لهم مشكل شهادة إدارية، ولا يضع حاوية تحت أرضية، ولا يوسع طريقا، ولا يرسل سيارة إسعاف عند الحاجة. لذلك يبدو جزء من النقاش داخل هذه المجالس كأنه تدريب طويل على إدارة العجز لا على تجاوزه.
وفي مقطاطعة السواني، كان محمد سعيد أهروش قد ترأس اجتماعا تحضيريا لدورة يونيو، مع حديث عن الأشغال والتدبير المالي والخدمات المقدمة للساكنة. وهو كلام جميل يصلح لكل المقاطعات، ولكل الدورات، ولكل البلاغات.
غير أن اللغة نفسها صارت جزءا من المشكلة: “تجويد الخدمات”، و“النجاعة”، و“الأولويات الحقيقية”، و“روح تشاركية”. فهذه عبارات تبدو رصينة، لكنها تفقد معناها حين لا تقترن بجرد واضح لما تحقق وما لم يتحقق، وما تملكه المقاطعة وما لا تملكه.
وفي السياق نفسه، تظهر من داخل السواني أصوات حزبية مثل أم كلثوم غبري، تدعو إلى توجيه الموارد المالية كأولوية لخدمة المواطنين. والعبارة، في ظاهرها، منطقية. لكنها تكشف الخلفية ذاتها: موارد محدودة، وأولويات متزاحمة، ومجلس يحتاج إلى من يذكره بأن المال يجب أن يذهب أولا إلى ما يراه المواطن في الشارع، لا إلى ما يجمل الخطاب داخل القاعة.
مغوغة والوجه الآخر
وفي مقاطعة مغوغة، لا يختلف جوهر الصورة كثيرا. فحين تحضر أسماء مثل عبد العزيز بنعزوز في تدبير مقاطعة تعيش ضغطا عمرانيا واجتماعيا متزايدا، وحين تظهر مداخلات حزبية مثل مداخلة حميدة بلشكر في دورة يونيو، فنحن أمام المشهد ذاته: مقاطعة واسعة، وانتظارات كثيرة، وإمكانات محدودة، ورغبة سياسية في تسجيل الحضور.
هنا لا يحتاج السيرك إلى صراخ دائم؛ إذ يكفي أحيانا أن يتحول المجلس إلى مكان لتكرار لغة الخصاص دون قدرة ظاهرة على كسره.
لذلك، فالمشكلة ليست في عبد الحميد أبرشان وحده، ولا في محمد سعيد أهروش، ولا في عبد العزيز بنعزوز، ولا في محمد الحريقي، ولا حتى في جمال العومي الذي تحول إلى عنوان فاقع لواقعة بني مكادة.
المشكلة، قبل ذلك وبعده، في بنية سياسية كاملة تجعل المقاطعات قريبة من غضب السكان وبعيدة عن أدوات الحل.
ومع ذلك، يتصرف بعض المنتخبين داخلها كما لو كانوا يديرون حكومة مصغرة. يطلقون الوعود، ويوزعون دروس القرب، ويتنازعون حول الميكروفون، ثم يختبئون عند التنفيذ خلف حدود الاختصاص.
سياسة بلا مخالب
هذا هو جوهر المفارقة: مجالس بلا مخالب تريد أن تظهر في هيئة وحوش سياسية. فهي لا تملك القرار المالي الكبير، ولا تتحكم وحدها في الأشغال الكبرى، ولا تستطيع تنفيذ كل ما تتلقاه من شكايات. لكنها، في المقابل، تملك قاعة وميكروفونا وكاميرا وبلاغا. ومن هذه الأدوات الصغيرة يصنع بعض المنتخبين بطولة رخيصة.
في طنجة المدينة، يتكلمون عن المقر والقاعة والشواطئ والإنارة. وفي بني مكادة، يتشاجرون فوق ملفات الحاويات والسير والشواهد والآليات. وفي السواني، يعود الحديث إلى الموارد والأشغال والخدمات. أما في مغوغة، فيتكرر سؤال التأهيل والخصاص. لكن الخيط الناظم واحد: كثير من العناوين التي يعرفها السكان قبل المنتخبين، وقليل من الأجوبة التي تستحق دورة كاملة.
لهذا تبدو عبارة “سيرك المقاطعات” قاسية لكنها دقيقة. فالسيرك ليس فقط في الصراخ، بل في تحويل دورة عادية إلى عرض سياسي بأبطال ثانويين، بينما القضايا الأصلية تقف خارج الخيمة تنتظر. السيرك في أن يصبح طرد مستشار أكثر إثارة من سؤال الشواهد الإدارية، وفي أن يصبح الرد على مداخلة أكثر حضورا من سؤال سيارات الإسعاف، وفي أن تتحول أسماء المنتخبين إلى مادة للفرجة، بينما أسماء الأحياء وأزقتها وحفرها ومصابيحها المعطلة لا تجد من يدافع عنها إلا بملتمس آخر.
إن المدينة لا تحتاج إلى مزيد من المهرجين بربطات عنق. بل تحتاج إلى منتخبين يقولون الحقيقة البسيطة: هذا يدخل في اختصاصنا وسننجزه في هذا الأجل؛ وهذا لا يدخل في اختصاصنا وقد راسلنا بشأنه الجهة المعنية؛ وهذا الملتمس القديم لم يُنفذ؛ وهذه الجهة عطلت؛ وهذه الميزانية لا تكفي؛ وهذا ما تحقق منذ الدورة السابقة بالأرقام والصور والمواعيد.
ودون ذلك، ستبقى الدورات العادية لمقاطعات طنجة عروضا موسمية متشابهة: رئيس يفتتح، وأعضاء يتدخلون، وحزب يزايد، وفريق يرد، وملتمس يطير، وصورة تُنشر، وساكنة تعود إلى واقعها كما دخلت. وحين تصبح الخشبة أكبر من القرار، لا يعود السؤال جارحا بل ضروريا: هل ما زلنا أمام مجالس قرب، أم أمام سيرك سياسي يتقن صناعة الضجيج فوق جداول أعمال بلا مخالب؟







