Close Menu
  • أخبار
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • تربية وتعليم
  • متابعات
  • ثقافة و فنون
  • الرياضة
  • بنوراما
  • ميديا
فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
الإثنين, أكتوبر 26, 2026
فيسبوك X (Twitter) الانستغرام RSS
طنجة24 | صحيفة تتجدد على مدار الساعةطنجة24 | صحيفة تتجدد على مدار الساعة
إشترك الآن
  • أخبار
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • تربية وتعليم
  • متابعات
  • ثقافة و فنون
  • الرياضة
  • بنوراما
  • ميديا
طنجة24 | صحيفة تتجدد على مدار الساعةطنجة24 | صحيفة تتجدد على مدار الساعة
  • أخبار
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • تربية وتعليم
  • متابعات
  • ثقافة و فنون
  • الرياضة
  • بنوراما
  • ميديا
الرئيسية » ما لا تعرضه الشاشات.. حين أعادت حسابات السوق كتابة حكاية السينما بطنجة

ما لا تعرضه الشاشات.. حين أعادت حسابات السوق كتابة حكاية السينما بطنجة

بواسطة محسن الصمدي26 أكتوبر، 2026
Cinéma Rif, Tangier — Photo by Klas-Herman Lundgren

في عتمة غرفة العرض، لم تكن مهمة “محمد” تقتصر على تشغيل آلة وإطفاء الأنوار، بل كان حارسا لأحلام المتفرجين. ففي زمن كانت فيه الأفلام تُحمل على بكرات ضخمة، كان أي خطأ بسيط في ترتيبها كفيلا بقلب الحكاية رأسا على عقب. يبتسم وهو يتذكر كيف كانت بكرات الأفلام الهندية تصل أحيانا مكدسة بلا ترتيب، وكيف كان السهو عن تسلسلها يصنع مشهدا مدهشا؛ فيموت البطل في الجزء الأول، ليعود راقصا بكامل لياقته في الجزء الذي يليه، وسط ضحكات الجمهور وذهولهم.

لم يكن سحر تلك الأماكن يتبدد مع ظهور شارة النهاية، بل كان يمتد ليصنع حيوات بأكملها. بالنسبة إلى محمد، الذي بدأت رحلته مع أجهزة العرض خلال ستينيات القرن الماضي، كانت السينما أكثر من مجرد مهنة. فبعد سنوات من التنقل بين قاعات طنجة المختلفة، ألقى عصا الترحال في “سينما الريف”، وهناك، خلف زجاج شباك التذاكر، التقى بالشابة التي أصبحت رفيقة دربه، لتتجاوز السينما دورها كشاشة لعرض الخيال، وتصبح الفضاء الحي الذي صاغ قدره وكتب قصة حبه الحقيقية.

هذه التفاصيل، التي وثقتها الكاتبة والمصورة الأمريكية “سيمونا شنايدر” في دراسة نشرتها سنة 2008 عن تاريخ السينما بطنجة، تختزل روح حقبة بأكملها. ففي ذلك الزمن، شكلت دور العرض فضاء رحبا للعمل واللقاء وتبادل الحكايات، وجزءا أصيلا من يوميات مدينة ارتبط تاريخها بتعدد اللغات والثقافات. هذا النبض الاستثنائي كان يبلغ ذروته كل مساء، حين تضاء شوارع طنجة بواجهات قاعات أيقونية حُفرت أسماؤها في الذاكرة الجمعية: “غويا”، “روكسي”، “باريس”، “موريطانيا”، “كابيتول”، وغيرها من الشاشات التي صنعت، إلى جانب “الريف”، العصر الذهبي للمدينة.

لكن تلك الخريطة السينمائية، التي توزعت فيها الأفلام يوما على قاعات متفردة لكل منها جمهورها وبرمجتها وهويتها الخاصة، تلاشت ملامح كثيرة منها اليوم. فبعد عقود من التراجع والإغلاق ومحاولات إعادة التأهيل، استقر المشهد على واقع جديد تتركز فيه الأغلبية الساحقة من التذاكر المباعة بطنجة لدى شبكة سينمائية واحدة؛ تاركة قاعات معدودة تتقاسم ما تبقى.

وما يعمق المفارقة في هذا التحول، أن تراجع القاعات المستقلة بدأ فعليا في صمت قبل ظهور المجمعات السينمائية الحديثة في المدينة، ليفرز مشهدا متناقضا تبرز أمامه أسئلة ملحة: كيف انتقلت طنجة من نموذج التعددية الذي كانت تحتضنه القاعات المستقلة، إلى سوق يتركز معظم جمهوره في المجمعات الحديثة؟ وما الذي دفع قاعات كانت تستقطب عشرات الآلاف من المتفرجين إلى التراجع أو الإغلاق؟ وهل كانت أموال الدعم العمومي وتحديث التجهيزات طوق نجاة كافٍ لضمان استمرار النشاط السينمائي، أم أن جذور الأزمة تتجاوز الجدران المتهالكة وآلات العرض، لتمتد إلى آليات توزيع الأفلام، واندثار ثقافة المشاهدة، واختلال اقتصاد السينما بأكمله؟

خلف هذه التساؤلات، تكمن حكاية أخرى ترويها الأرشيفات وتفاصيل الدعم العمومي وأرقام المركز السينمائي المغربي. حكايةٌ تتكشف معالمها عبر تتبع مسارات القاعات المغلقة، ومقاطعة الأرقام الرسمية مع شهادات الفاعلين لفهم مآل علاقة طنجة بشاشاتها.

كيف بدأت حكاية السينما بطنجة؟

لم تبدأ هذه العلاقة الاستثنائية بين طنجة والشاشة الفضية مع قاعات العرض الكبرى، بل تضرب بجذورها في البدايات الأولى لمطلع القرن العشرين. فبالعودة إلى تفاصيل الدراسة التي أنجزتها شنايدر «Tanger fait son cinéma»، نجد أن مسرح “ليثيو رافائيل كالفو”، القريب من مقر المفوضية الأمريكية (والذي عُرف لاحقاً بـ”لا ثارثويلا”)، شهد سنة 1900 عرضا رائدا للصور المتحركة اعتمد على تقنية ضمت 62 صورة. ومع تصاعد الشغف بهذا الوافد البصري الجديد، ظهر سنة 1913 مسرح “تيفولي” الخشبي على الواجهة البحرية كأحد أوائل الفضاءات المخصصة للسينما، قبل أن يلتهمه حريق بعد أربع سنوات فقط من افتتاحه.

غير أن زوال هذا الفضاء المبكر لم يوقف المد السينمائي بالمدينة، بل مهد لانتقال العروض نحو منشآت أكثر رسوخا ونضجا تقنيا، فبحلول عام 1929، دشن مسرح “سيرفانتيس” التاريخي مرحلة جديدة كليا باحتضانه أول عرض لفيلم ناطق في المدينة. شكل هذا الحدث التكنولوجي نقطة تحول انتقلت معها السينما من مجرد تجربة بصرية صامتة ومحدودة إلى استهلاك جماهيري منتظم، رافقه توسع عمراني أفرز قاعات أيقونية ارتبطت بأسماء شوارع طنجة وأحيائها.

وفي هذا السياق، تحصي الباحثة 14 اسما شكلت الذاكرة السينمائية للمدينة، وهي: ألكسار، كابيتول، سيني أمريكانو، داوليز، فلاندريا، غويا، لوكس، مبروك، موريطانيا، باريس، الريف، روكسي، طارق، وفوكس، ورغم أن هذا الجرد لا يعكس بالضرورة التعداد النهائي للفضاءات أو تزامن نشاطها الزمني، إلا أنه يؤكد الحيوية التي طبعت تلك الحقبة.

ولم يقتصر التمايز بين هذه القاعات على المعمار أو التوزيع الجغرافي، بل انسحب أساسا على هويتها الثقافية وشبكات توزيعها التي عكست الوضع الجيوسياسي للمدينة. ففي فترة الإدارة الدولية، ارتبطت سينما “غويا” بشبكات التوزيع الإيبيرية وكانت تشتغل خلال مرحلة معينة وفق نمط قريب من القاعات الإسبانية، بينما خصصت “موريطانيا” و”لوكس” و”باريس” شاشاتها للإنتاجات الأوروبية خلال فترة طنجة الدولية. في المقابل، اختطت “سينما الريف” مسارا متحولا بدأ بالأفلام الأمريكية، ليعرج نحو الإنتاجات العربية (المصرية واللبنانية)، وصولا إلى السينما الهندية التي وجدت جمهورا لها بالمدينة.

ومع انتهاء النظام الدولي واستقلال المغرب، انعكست التحولات الديمغرافية ورحيل فئات واسعة من الجاليات الأجنبية بوضوح على شباك التذاكر، مما دفع مؤسسات العرض إلى تكييف برمجتها لاستقطاب جمهور محلي جديد، حيث هيمنت الأفلام المصرية والهندية، قبل أن تقتحم أفلام الحركة (الأكشن) القادمة من هونغ كونغ شاشات طنجة بقوة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

وبهذا، لم تكن شاشات طنجة مجرد مساحات للترفيه، بل كانت مرآة تعكس جانبا من التحولات السياسية والديمغرافية والثقافية التي عرفتها المدينة؛ حيث كان كل تغيير في تركيبة المجتمع يفرض لونه مباشرة على شباك التذاكر.

حين كان الذهاب إلى السينما طقسا اجتماعيا

لا يزال المخرج والناقد السينمائي عز الدين الوافي يستحضر تلك المرحلة باعتبارها جزءا من الهوية الثقافية للمدينة، مشيرا إلى أن قاعات “غويا” و”روكسي” و”ألكاسار” و”كابيتول” تحولت إلى رموز في الذاكرة السينمائية الجماعية لطنجة، مؤكدا في تصريحات لـ”طنجة24″، أن الذهاب إلى السينما خلال العقود الماضية لم يكن نشاطا عابرا، بل كان يرافقه طقس اجتماعي خاص، خصوصا في نهاية الأسبوع، حين كانت الأسر تتوجه إلى القاعات في مجموعات، ويحرص روادها على ارتداء أجمل ملابسهم والتعطر، كما لو أنهم يستعدون لحضور حفل أو عرس.

ويربط الوافي هذا الطابع الاجتماعي بدور القاعات باعتبارها أماكن يلتقي فيها أشخاص ينتمون إلى فئات اجتماعية مختلفة، مع وجود تباينات بين جمهور القاعات بحسب موقعها داخل المدينة العتيقة أو خارج أسوارها، وحسب الخصائص الاجتماعية للأحياء المحيطة بها، مشيرا في السياق ذاته إلى أن توسع طنجة خارج المدينة العتيقة، ووجود جاليات أجنبية وطبقات مثقفة، ساهما في تشكيل جمهور بعض المؤسسات السينمائية، بينما ارتبطت قاعات أخرى بسكان أحياء مختلفة من المدينة.

غير أن هذه الشهادة لا تعني أن جميع القاعات كانت تستقبل جمهورا اجتماعيا متجانسا، أو أن التفاوتات في القدرة على الوصول إلى السينما كانت غائبة، فهي تقدم وصفا لمرحلة من الذاكرة السينمائية يحتاج إلى قراءته ضمن التحولات الاجتماعية والعمرانية التي شهدتها المدينة.

وتكشف دراسة شنايدر جانبا آخر من هذه التحولات، إذ توثق تغير أجواء المشاهدة داخل بعض القاعات مع مرور السنوات، وتراجع حضور النساء في مؤسسات معينة خلال فترات تدهورت فيها ظروف الاستقبال، إلى جانب تغير طبيعة الأفلام والجمهور، حيث نقلت الباحثة شهادات عاملين في القاعات، بينهم موظفات في شبابيك التذاكر واستقبال المتفرجين، تكشف أن السينما كانت أيضا فضاءً للعمل والعلاقات الاجتماعية، وأن تجربتها اليومية لم تكن تنحصر فيما يجري أمام الشاشة.

ولذلك، فإن تاريخ القاعات السينمائية في طنجة لا يمكن اختزاله في فترة ازدهار مثالية تلتها مرحلة انهيار شامل، بل يتعلق بمسار طويل من التغيرات التي أصابت القاعات وجمهورها ووظائفها الثقافية.

ووفق مقاربة الوافي فإن الأهمية التي اكتسبتها السينما ترتبط أيضا بدورها في التنشئة الثقافية والاجتماعية، باعتبارها وسيلة لصقل الذائقة الفنية والانفتاح على اللغات والثقافات المختلفة، وليس مجرد أداة للترفيه، مشددا على أن مشاهدة الأفلام كانت تسهم في تربية العين وتوسيع آفاق المتفرج، من خلال الاحتكاك بعوالم وتقاليد وأنماط حياة مختلفة، وأن فقدان بعض القاعات ترك، في تقديره، فراغا في الوظيفة الثقافية والاجتماعية التي كانت تؤديها.

ولا ينفصل هذا الدور عن الأنشطة التي كانت تنظم خارج البرمجة التجارية. فقد عرفت طنجة حركة للأندية السينمائية، ساهمت في عرض الأعمال الكلاسيكية وتنظيم النقاشات حول الأفلام، ووفرت إطارا لتكوين جمهور مهتم بالسينما باعتبارها فنا وثقافة.

وتذكر دراسة شنايدر أن نور الدين الصايل تولى سنة 1972 رئاسة النادي السينمائي بطنجة، قبل تأسيس الجامعة الوطنية للأندية السينمائية سنة 1973، في مرحلة ارتبط فيها نشاط بعض الأندية بالنقاش الثقافي والفكري والسياسي، حيث كان النادي السينمائي بطنجة يضم نحو ثمانين منخرطا خلال الثمانينيات، ووصل عددهم إلى 140 سنة 2004، قبل توقف نشاطه سنة 2005.

هذا التآكل الذي أصاب ثقافة المشاهدة لم يكن سوى الوجه الاجتماعي للأزمة، بينما تكشف الأرقام الرسمية وجهها الاقتصادي، فخلافا للسردية التي تُحمل المجمعات السينمائية الحديثة مسؤولية القضاء على دور العرض التاريخية، تثبت بيانات شباك التذاكر أن نزيف القاعات المستقلة بدأ فعليا، وبشكل حاد، قبل أن تفتح هذه المجمعات أبوابها في طنجة بزمن طويل.

زمن المقاعد الفارغة

بالاحتكام إلى السجلات الرسمية لتتبع جذور هذا التراجع، يتبين أن الأزمة الهيكلية ضربت القاعات المستقلة بسنوات قبل تغير خريطة العرض، فبالعودة إلى سنة 2006، كانت لغة الأرقام لا تزال تنبض بالحياة؛ إذ استنادا إلى بيانات المركز السينمائي المغربي، سجلت سينما “روكسي” 95 ألفا و749 دخولا، و”باريس” 89 ألفا و734، و”موريطانيا” 85 ألفا و466، بينما حققت “طارق” 51 ألفاً و415 دخولا، وكانت القاعات الثلاث الأولى تحتل آنذاك مراكز متقدمة على الصعيد الوطني في مبيعات التذاكر، رغم أن القطاع السينمائي المغربي عموما كان يمر بمرحلة انحسار.

لكن بعد أقل من عقد من الزمن، انقلبت هذه الصورة بشكل درامي، فحصيلة المركز السينمائي المغربي لسنة 2015 تكشف تراجعا حاداً؛ إذ لم تتجاوز “روكسي” 31 ألفا و950 دخولا، و”موريطانيا” 31 ألفا و447، و”الريف” 8 آلاف و74، بينما هوت “باريس” إلى 6 آلاف و393 دخولا فقط.

وبمقارنة بسيطة لمسار “روكسي” بين 2006 و2015، يتبين أن مبيعات تذاكرها تبخرت بنسبة 66.6 في المائة، وذلك في فترة سبقت تدشين أول مجمع لـ “ميغاراما” الذي فتح أبوابه بالمدينة سنة 2016.

ولتتبع هذا السقوط الحر بدقة أكبر، تتيح بيانات المركز السينمائي لسنة 2014 رصد الانهيار المتسارع، ففي تلك السنة، بلغ مجموع الدخول للقاعات الأربع 121 ألفا و483، قبل أن يهوي بعد سنة واحدة فقط إلى 77 ألفا و864، مسجلا تراجعا يقارب 35.9 في المائة في ظرف عام واحد.

وكانت الضربة الأقسى من نصيب “باريس” التي فقدت نحو 80.6 في المائة من جمهورها، تلتها “روكسي” بانخفاض قارب 29 في المائة، ثم “موريطانيا” بـ 13.5 في المائة، بينما شكلت “الريف” الاستثناء الوحيد بارتفاع طفيف قدره 13.3 في المائة.

وتتقاطع هذه الأرقام مع تفسير عز الدين الوافي، الذي يرى أن تراجع القاعات التاريخية لم يكن ظاهرة خاصة بطنجة، بل شمل مدنا مغربية أخرى، بعدما بدأ عدد من المستثمرين وملاك القاعات يلاحظون انخفاض الإقبال، وتُركت بعض المؤسسات، بحسب وصفه، عرضة للإهمال والتدهور، ما أفقدها جانبا من جاذبيتها وإشعاعها السابق.

ولم تكن هذه الصعوبات مجرد استنتاج لاحق من الأرقام، ففي 6 شتنبر 2007، نشرت صحيفة “Aujourd’hui le Maroc” تقريرا عن تراجع الإقبال على قاعات السينما بطنجة، نقلت فيه عن عبد الجليل الوهابي، مدير سينما “روكسي” آنذاك، تأكيده أن الأزمة لم تكن محصورة في المدينة، بل شملت قاعات العرض بمختلف أنحاء المغرب. وربط الوهابي هذا التراجع بانتشار الأفلام المقرصنة والقنوات الفضائية، إلى جانب ضعف التجهيزات داخل بعض المؤسسات، مشيرا إلى أن المتفرجين أصبحوا يبحثون عن قاعات توفر ظروف مشاهدة أكثر تطورا من حيث جودة الصورة والصوت.

وإذا كان تراجع الجمهور وتدهور بعض الفضاءات يمثلان الوجه الظاهر للأزمة كما يشخصه الوافي، فإن تشريح بنيتها العميقة يتطلب استحضار التغيرات الجذرية التي مست اقتصاد الصناعة السينمائية ونماذج استغلالها. ومن هذه الزاوية، يكمل الدكتور عبد الله أبو عوض، الأستاذ الجامعي بجامعة عبد المالك السعدي والعضو السابق بلجنة دعم إنتاج الأعمال السينمائية بالمركز السينمائي المغربي، أجزاء الصورة؛ موضحا أن ما شهدته القاعات التقليدية كان نتيجة حتمية لتداخل عوامل اقتصادية وتكنولوجية وتدبيرية، عجلت بالانتقال من هشاشة نموذج القاعة ذات الشاشة الواحدة، القائمة أساسا على مداخيل التذاكر، إلى نموذج المجمعات السينمائية متعددة الشاشات.

فالقاعات الصغرى، وفق أبو عوض، وجدت نفسها محاصرة بأعباء ثقيلة تتجلى في صيانة مبانٍ قديمة، حتمية تحديث معدات العرض والصوت، وتحسين شروط الراحة، إلى جانب عجزها عن تنويع البرمجة لمجاراة أذواق الجمهور. ورغم ذلك، يرفض الدكتور اختزال الأزمة في “ضعف التدبير” أو “تقادم المعدات”، مشددا على أن التقييم الموضوعي لفرص البقاء يستوجب تحليل تكاليف التشغيل مقارنة بالاستثمار، ومعدلات إشغال المقاعد، والموقع الجغرافي، والصلابة المالية لكل مؤسسة.

وتكشف المداخيل المسجلة لدى القاعات عن تفاوت اقتصادي آخر لا يقل أهمية عن اختلاف أعداد المتفرجين. فبالاعتماد على بيانات المركز السينمائي المغربي لسنة 2015، واحتساب متوسط الإيراد المحقق عن كل دخول، يتبين أنه بلغ نحو 40.6 دراهم في “روكسي”، مقابل 18.6 درهما في “الريف”، و15.4 درهما في “باريس”، و13.3 درهماً في “موريطانيا”، وتختلف هذه المتوسطات الحسابية، في بعض الحالات، عن القيم المدرجة في خانة متوسط سعر التذكرة بالتقرير الرسمي، كما أنها لا تمثل بالضرورة الأسعار المعلنة لجميع الحصص. لكنها تكشف تفاوتا واضحا في المداخيل المحققة عن كل دخول بين المؤسسات، بما يعكس اختلافا في ظروف الاستغلال وطبيعة النشاط التجاري للقاعات.

ولم يكن الاختلاف بين القاعات تجاريا فقط، بل شمل أيضا مستوى تجهيزاتها التقنية، فوفق الحصيلة الرسمية لسنة 2015، كانت “روكسي” تتوفر على جهاز عرض رقمي واحد لشاشتها، بينما امتلكت “الريف” جهازا رقميا واحدا لشاشتين. وفي المقابل، لم يسجل التقرير أجهزة عرض رقمية لدى “باريس” و”موريطانيا” خلال السنة نفسها.

وتؤكد هذه المعطيات أن أزمة القاعات المستقلة كانت قد بدأت قبل وصول المجمعات السينمائية الحديثة إلى طنجة، وأن تفسير التراجع لا يمكن أن يقتصر على المنافسة التي فرضتها تلك المؤسسات لاحقا. غير أن ظهور المجمعات متعددة الشاشات رافقه تحول جديد في خريطة العرض، بعدما أصبحت حصة متزايدة من التذاكر والمداخيل المسجلة بالمدينة تتركز لدى مشغل واحد.

“ميغاراما” وحصة الأسد

شكل افتتاح أول مجمع لـ “ميغاراما” بطنجة سنة 2016 تحولا جذريا في بنية العرض السينمائي؛ إذ وجد الجمهور نفسه لأول مرة أمام مؤسسة بثماني شاشات قادرة على تقديم أفلام مختلفة في مواعيد متزامنة. وهو عرض غير مسبوق انعكس مباشرة على خريطة الإقبال؛ ففي سنة الافتتاح، استقطب المجمع الجديد 92 ألفا و406 متفرجين، مقابل 35 ألفا و574 لـ “موريطانيا”، و10 آلاف و294 لـ “روكسي”، و4 آلاف و771 لـ “الريف”، وفق معطيات المركز السينمائي المغربي.

وبمجرد ولوجها السوق المحلية، استحوذت “ميغاراما” على 64.6 في المائة من مجموع التذاكر المباعة بالمدينة (143 ألفا و45 دخولا)، بينما أحكمت قبضتها على 82.6 في المائة من الكعكة المالية، فيما تقاسمت القاعات الأخرى نحو 35.4 في المائة. محققة إيرادات بلغت نحو 5.13 ملايين درهم من أصل 6.21 ملايين. هذا التفاوت الحاد بين حصة الجمهور وحصة المداخيل يبرز بوضوح الفجوة الشاسعة في النماذج التجارية ومستويات تسعير التذاكر، مؤكدا عدم كفاية الاعتماد على عدد المتفرجين وحده لتقييم الوزن الاقتصادي للمؤسسات.

وخلال السنوات اللاحقة، خضع الحضور السينمائي لتقلبات عنيفة فرضتها تحولات السوق وتداعيات جائحة كورونا. فبعد تصاعد الإقبال من 129 ألفا و633 دخولا سنة 2018 إلى 161 ألفا و31 سنة 2019، هوت الأرقام إلى نحو 45 ألفا خلال سنتي 2020 و2021 متأثرة بالإغلاقات الصحية. ومع تعافي السوق، عاد المنحنى للارتفاع مسجلا 176 ألفا و427 دخولا سنة 2024، قبل أن ينخفض إلى 151 ألفا و197 دخولا خلال سنة 2025.

غير أن قراءة الحجم الإجمالي للإقبال تخفي وراءها التحول الأبرز في بنية السوق، والمتمثل في التركز المتزايد لدى مشغل واحد، فحصيلة المركز السينمائي لسنة 2025 تكشف أن مؤسستي “ميغاراما طنجة” و”ميغاراما غويا” التي فتحت أبوابها سنة 2019، سجلتا معا 136 ألفا و61 دخولا، في المقابل، عاشت القاعات التاريخية شبه إفراغ تام؛ إذ لم تتجاوز “روكسي” 5 آلاف و757 تذكرة، و”الريف” 5 آلاف و198، و”ألكسار” 4 آلاف و181.

ولغة النسب المئوية تجعل الصورة أكثر وضوحا؛ فبالمقارنة مع سنة 2016، ارتفعت حصة شبكة “ميغاراما” من 64.6 إلى 90 في المائة من مجموع الدخول المسجل بطنجة سنة 2025، بزيادة قدرها 25.4 نقطة مئوية. كما استحوذت المؤسستان التابعتان لها على 93.3 في المائة من مداخيل شباك التذاكر بالمدينة بعدما حققتا قرابة 7.08 ملايين درهم من أصل 7.59 ملايين.

وعلى مستوى البنية التحتية، تضم الشبكة 11 شاشة من أصل 15 شاشة نشطة بطنجة، فيما تتوزع الشاشات الأربع المتبقية بين “الريف” و”روكسي” و”ألكسار”.

ولقياس أبعاد هذا التركز بصورة أدق، تتيح البيانات الرسمية حساب متوسط الدخول السنوي المسجل لكل شاشة، وهو مؤشر يساعد على مقارنة الوزن الجماهيري للمؤسسات، مع مراعاة اختلاف طاقتها الاستيعابية وظروف تشغيلها، ففي سنة 2016، كان المتوسط متقاربا بين مجمع ميغاراما (11 ألفا و551 لكل شاشة) وبقية المؤسسات مجتمعة (12 ألفا و660). لكن الصورة انقلبت تماما سنة 2025؛ إذ قفز متوسط الدخول لكل شاشة في مؤسستي ميغاراما إلى 12 ألفا و369 متفرجا، بينما انهار في المؤسسات الثلاث المتبقية إلى 3 آلاف و784 فقط، ليصبح إقبال شاشات المجمع أكبر بنحو 3.3 مرات من نظيراتها المستقلة. ورغم أن هذا المؤشر يبقى متوسطا حسابيا لا يمثل معدل الإشغال الفعلي للمقاعد، لكنه يكشف عن تفاوت كبير في توزيع الدخول المسجل بين المؤسسات.

ويعكس هذا التحول تغيرا كبيرا في توزيع الدخول بين المؤسسات، وليس اختفاء الجمهور السينمائي بالمدينة بصورة مطلقة. فمجموع الدخول المسجل بطنجة ارتفع فعليا بنسبة 5.7 في المائة بين السنتين (من 143 ألفا و45 سنة 2016 إلى 151 ألفا و197 سنة 2025). وبينما رفعت مؤسسات ميغاراما جمهورها (من 92 ألفا إلى 136 ألفا)، تراجع المجموع المسجل لدى بقية القاعات ليهبط من 50 ألفا و639 إلى 15 ألفا و136 دخولا.

ولعل حالة سينما “روكسي” تختزل هذا المسار؛ فبعدما كانت تستقطب نحو 96 ألف متفرج سنة 2006، انهارت إلى أقل من 6 آلاف متفرج سنة 2025، مسجلة تراجعا قارب 94 في المائة.

أمام هذا المشهد الذي يسيطر فيه مشغل واحد على الأغلبية الساحقة من السوق، يعود الدكتور عبد الله أبو عوض ليضع الأمور في نصابها الاقتصادي والقانوني. فبرغم إقراره بأن بلوغ حصة مشغل واحد 90 في المائة يستدعي دراسة تنافسية دقيقة، إلا أنه يحذر من التسرع في إطلاق الأحكام، مؤكدا أن “التركّز، في حد ذاته، لا يكفي للحكم بوجود احتكار أو ممارسة منافية للمنافسة”.

ويفكك أبو عوض هذه الهيمنة مبرزا المزايا البنيوية للمجمعات متعددة الشاشات؛ فهي قادرة على توزيع تكاليف الاستثمار والتسويق والتشغيل على عروض كثيرة ومرنة. في حين تتحمل القاعة الصغيرة مخاطر تجارية قاسية؛ فبمجرد تخصيص شاشتها الوحيدة لفيلم لا يلقى إقبالا، تتكبد خسائر مباشرة، بينما يستطيع المجمع تغيير مواعيد العرض وتوزيع الأفلام لتفادي الخسارة.

ولهذا، يقترح الباحث فحص أربعة مؤشرات قبل إصدار أي تقييم تنافسي: حصة كل مشغل من التذاكر والمداخيل، عدد الشاشات والمقاعد، توزيع الأفلام ومواعيد عرضها، ثم تطور الحضور لدى القاعات المستقلة عبر سنوات مرجعية متعددة.

وتبقى المسألة الأساسية، وفق تحليله، هي معرفة ما إذا كان هذا التركّز يتيح للجمهور اختيارات أوسع وجودة أفضل، أم ينعكس سلبا على التنوع الثقافي وفرص استمرار القاعات الصغيرة. وهو سؤال لا تجيب عنه أرقام شباك التذاكر المحلي بمفردها؛ فتقييم تنوع الأفلام يتطلب تحليل البرمجة الفعلية، وجنسياتها، ولغاتها، ومواعيد عرضها، كما أن فهم الحجم الحقيقي لهذا التراجع الطنجي يستوجب توسيع زاوية الرؤية، ووضع هذه الأرقام في ميزان السوق السينمائية الوطنية.

طنجة في الميزان الوطني

تكشف مقارنة بيانات طنجة بالمؤشرات الوطنية عن تحول إضافي لا يظهر عند الاكتفاء بتتبع القاعات داخل المدينة وحدها، فخلال سنة 2016، سجل المركز السينمائي المغربي مليونا و527 ألفا و224 دخولا إلى القاعات على الصعيد الوطني، بلغت حصة طنجة منها نحو 143 ألفا و45 دخولا، أي ما يعادل 9.4 في المائة من مجموع التذاكر المباعة بالمملكة.

لكن في سنة 2025، ورغم ارتفاع عدد التذاكر المباعة بطنجة مقارنة بـ 2016، تراجعت حصة المدينة من السوق الوطنية إلى نحو 6.9 في المائة، وذلك بعدما بلغ مجموع الدخول على الصعيد المغربي مليونين و186 ألفا و106 تذاكر. وهكذا، فقدت طنجة نحو 2.5 نقطة مئوية من وزنها النسبي في سوق التذاكر الوطنية بين السنتين؛ في وقت نما فيه الإقبال على السينما بالمغرب بوتيرة أسرع بكثير من النمو المسجل داخل المدينة.

وتبرز مفارقة إحصائية أخرى عند وضع عدد الشاشات في كفة، وحجم الجمهور في الكفة المقابلة. فقد أحصى المركز السينمائي المغربي سنة 2025 ما مجموعه 87 شاشة نشطة على الصعيد الوطني، تتوطن خمس عشرة منها في طنجة. ويعني هذا المعطى أن المدينة تستحوذ على نحو 17.2 في المائة من مجموع الشاشات بالمملكة، في مقابل حصة من التذاكر المباعة لا تتجاوز 6.9 في المائة.

وبحساب متوسط الدخول إلى الشاشة الواحدة، سجلت طنجة نحو 10 آلاف و80 دخولا لكل شاشة خلال السنة، وهو رقم يقل بكثير عن المتوسط الوطني الذي بلغ نحو 25 ألفا و128 دخولا لكل شاشة. ورغم أن هذا المؤشر لا يقيس نسبة ملء المقاعد الفعلية ــ نظرا لاختلاف الشاشات في طاقتها الاستيعابية، وعدد الحصص، ومواعيد التشغيل ــ فإنه يكشف بوضوح عن تفاوت صارخ بين الوزن العددي للبنية التحتية السينمائية للمدينة، وحصتها الفعلية من الدخول المسجل.

وتؤكد هذه المقارنة الوطنية أن طنجة لم تفقد جمهور السينما بصورة مطلقة بين 2016 و2025، لكنها عجزت عن مواكبة وتيرة التوسع المسجلة وطنيا، رغم استمرارها ضمن المدن التي تضم عددا مهما من شاشات العرض. وهو واقع يطرح تساؤلا ملحا حول قدرة البنية السينمائية المتاحة على استقطاب جمهور أكبر، ومدى ارتباط ذلك بالبرمجة، والأسعار، ومواقع القاعات، والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية للمدينة. وهي ذات العوامل والمحددات المعقدة التي رسمت مسارات متباينة للقاعات التاريخية، فجعلت لكل شاشة مصيرا يختلف جذريا عن الأخرى في مواجهتها لرياح التغيير.

غويا والريف وباريس.. ثلاث حكايات بمصائر مختلفة

لم يؤدِّ تراجع النشاط السينمائي التقليدي إلى مصير واحد لجميع القاعات التاريخية؛ إذ توقفت بعض المؤسسات نهائيا عن استقبال الجمهور، بينما أُعيد تشغيل أخرى بعد خضوعها للتحديث، في حين نجحت تجارب ثقافية بديلة في تقديم نماذج مختلفة للعرض السينمائي.

وتقدم سينما “غويا” إحدى أبرز حالات التحول؛ إذ عادت إلى النشاط سنة 2019 تحت علامة “ميغاراما”، عقب أشغال لتأهيلها وتحويلها إلى مجمع يضم ثلاث شاشات. ويكتسي هذا المسار أهمية تاريخية خاصة، لأن “غويا” كانت مرتبطة في مراحل سابقة بشبكات توزيع الأفلام الإسبانية، قبل أن تتوقف عن العرض وتدخل في مرحلة من التدهور. غير أن تحديد سنة إغلاقها يظل موضع اختلاف بين المصادر، لكن المؤكد أن إعادة تأهيلها لاحقا انتهت إلى اعتماد نموذج عرض يختلف كليا عن القاعة القديمة، لتصبح جزءا من شبكة تجارية متعددة الشاشات.

في المقابل، تمثل سينما “الريف” تجربة مغايرة تماما، بعد تحولها إلى مقر لـ”الخزانة السينمائية بطنجة”، والتي سعت بدورها إلى تطوير برمجة ثقافية تشمل الأفلام المغربية والعالمية والمستقلة والوثائقية، إلى جانب احتضان النقاشات واللقاءات والأنشطة التربوية. وتوثق دراسة “شنايدر” أنه منذ انطلاق أنشطة الخزانة في نونبر 2006، وحتى الفترة التي تناولتها سنة 2008، عرض 144 فيلما من 25 بلدا، في تجربة قامت على تقديم اختيارات سينمائية متنوعة، وتنظيم أنشطة موجهة للأطفال والشباب.

كما تشير الدراسة إلى أن العروض التي كان يحضرها المخرجون أو الممثلون، أو التي تتبعها نقاشات مفتوحة مع الجمهور، كانت تستقطب اهتماماً أكبر؛ مما يقدم مثالا مبكرا على أهمية ربط الفيلم بالتجربة الثقافية المصاحبة له لضمان استمرارية الإقبال.

أما سينما “باريس”، الواقعة بشارع فاس، فتُظهر المعطيات الرسمية أنها ظلت تمارس نشاطها السينمائي سنة 2015، بعدما سجلت، وفق حصيلة المركز السينمائي المغربي، بيع 6,393 تذكرة، بمداخيل بلغت 98,334 درهما، غير أن اسمها غاب عن قائمة القاعات النشيطة لسنة 2016، قبل أن تكشف معطيات نشرتها رابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين بطنجة، في شتنبر 2018، عن توقف نشاطها منذ مارس من السنة نفسها، في سياق خلافات مرتبطة بديون عالقة ومطالب بإغلاقها.

ويشير الناقد عز الدين الوافي إلى هذا الاختلاف في مصائر القاعات القديمة، مستحضراً “ألكسار” و”غويا” و”روكسي” باعتبارها تجارب استطاعت الاستمرار أو العودة إلى النشاط، في مقابل مؤسسات أخرى اختفت تماما من المشهد السينمائي، مثل “باريس”، حيث يربط هذه الاختلافات ــ من بين عوامل أخرى ــ بطبيعة ملكية القاعات، والتعقيدات الإدارية المرتبطة بالعقار وانتقال الحقوق، وما يمكن أن تطرحه هذه الوضعيات القانونية من صعوبات أمام مبادرات الإنقاذ أو إعادة الاستغلال.

ويعتبر المتحدث ذاته أن دور الدولة والمجتمع المدني يظل مهما في البحث عن صيغ لاستمرار الوظائف الثقافية لهذه المؤسسات، بما في ذلك التفكير في تحويل بعض القاعات إلى فضاءات متعددة الاستعمالات، خاصة عندما يتعذر الحفاظ على نموذج العرض التجاري التقليدي. كما يستحضر الوافي الخصائص المعمارية والثقافية لبعض القاعات في مدن شمال المغرب، مثل “روكسي” بطنجة و”أبينيدا” بتطوان، وقاعات أخرى بالعرائش والقصر الكبير، بوصفها جزءا من ذاكرة سينمائية ارتبطت ارتباطا وثيقا بالتحولات التاريخية للمنطقة.

وهذا البعد التراثي والمعماري الذي يشدد عليه الوافي، يضعنا أمام المعادلة الأصعب في مسار الإنقاذ؛ فالحفاظ على هذه الذاكرة والوظيفة الثقافية لا يمكن أن يتحقق بالنوايا وحدها، بل يتطلب شروطا اقتصادية وتدبيرية صلبة قادرة على تأمين استمرارية النشاط. غير أن محاولة إيجاد هذا التوازن المالي عبر تبني نماذج التحديث والاستثمار، قد لا تكون دائما طريقا مفروشا بالنجاح، وهو ما تجسده بوضوح التجربة المتعثرة لسينما “موريطانيا”.

ماذا حدث لموريطانيا؟

تكشف حالة سينما “موريطانيا” جانبا آخر من الأزمة، يختلف تماما عن الحكاية التقليدية التي تربط الصعوبات بتقادم القاعات ذات الشاشة الواحدة. فهذه القاعة كانت من المؤسسات التي حافظت على حضور مهم نسبيا خلال سنوات سابقة؛ إذ سجلت أكثر من 85 ألف دخول سنة 2006، قبل تراجعها إلى نحو 31 ألفا سنة 2015، ثم ارتفاعها مجددا إلى 35 ألفا و574 دخولا سنة 2016.

وخلال السنوات اللاحقة، دخلت القاعة في مشروع لإعادة التأهيل وتحويلها إلى مجمع سينمائي متعدد الشاشات، في محاولة لإعادة إدماجها في سوق العرض الحديثة. وفي سنة 2020، أدرج المركز السينمائي المغربي مشروع “موريطانيا” ضمن المستفيدين من قرار دعم للتجديد بقيمة 2.8 مليون درهم.

وبحلول دجنبر 2021، أُعلن انطلاق أشغال المشروع، الذي كان يستهدف إنشاء مجمع يضم خمس شاشات، باستثمار متوقع بلغ حينها نحو 13.8 مليون درهم، مع تحديد سنة 2022 موعدا لافتتاحه. غير أن المشروع لم يتقدم وفق الجدول الزمني المعلن، لترتفع تقديرات كلفته في تصريحات منشورة خلال سنة 2023 إلى نحو 20 مليون درهم، مع إعلان مواعيد جديدة لاستكمال الأشغال.

وخلال سنة 2026، أخذت الأزمة بعدا قانونيا بعدما دخلت الشركة المشرفة على المشروع، “سيني أطلس”، مسطرة التسوية القضائية أمام المحكمة التجارية بالرباط، وسط صعوبات مالية طالت بعض أنشطتها ومشاريعها، وفق ما تناولته تقارير اقتصادية واكبت وضعيتها.

وفي بيان علني نشرته خلال غشت الماضي، أوضحت الشركة أن الأشغال المنجزة بـ “موريطانيا” بلغت نحو ثلاثة أرباع المشروع، وأنها استثمرت فيه قرابة 10 ملايين درهم، مؤكدة استمرار البحث عن حلول تمويلية تسمح باستكماله، دون تحديد موعد جديد للافتتاح.

بالتزامن مع ذلك، أشارت تقارير اقتصادية إلى سعي الشركة لتعبئة تمويلات إضافية في حدود 15 مليون درهم، في إطار جهود إعادة هيكلة نشاطها.

وتقدم هذه الوقائع دليلا على أن الانتقال إلى نموذج المجمع متعدد الشاشات لا يشكل ضمانة تلقائية لنجاح الاستثمار، وأن تعثر المشاريع قد يرتبط بعوامل مالية وتدبيرية تتجاوز مسألة تحديث التجهيزات. لكنها لا تسمح، في المقابل، بالحكم القطعي على مصير الدعم العمومي المقرر للمشروع أو مدى تنفيذ التزاماته؛ نظرا لعدم توفر وثائق كاملة بشأن المبالغ التي صرفت فعليا، أو محاضر مراقبة الأشغال، أو الشروط التعاقدية الخاصة بالمساعدة.

ويؤكد الدكتور عبد الله أبو عوض، في هذا السياق، أن تقييم نموذج القاعة لا ينبغي أن يتوقف عند طبيعة تجهيزاتها أو حجم الاستثمار المعلن، بل يجب أن يشمل تكاليف التشغيل، والقدرة على استقطاب الجمهور، ومدى استدامة النشاط بعد انتهاء مرحلة الاستثمار الأولى. ويشير إلى أن القاعات التاريخية قد تحتاج إلى نموذج اقتصادي يمزج بين العرض التجاري والأنشطة الثقافية والتربوية، والشراكات مع الجامعات والمؤسسات التعليمية، بدلا من الاعتماد الحصري على مداخيل التذاكر.

وإذا كان بناء هذا النموذج المندمج يمثل التحدي الأكبر لضمان البقاء، فإن هذا الرهان ينقلنا مباشرة إلى مساءلة سياسات الإنقاذ الرسمية. فمساعي التحديث في طنجة لم تقتصر على المبادرات الخاصة، بل واكبتها تدخلات مالية مكثفة من الدولة، ليفتح ذلك ملف الدعم العمومي على مصراعيه؛ حيث تدفقت ملايين الدراهم لتجديد القاعات، مما يفرض التدقيق في هذا الدعم وتجاوز لغة الأرقام نحو التساؤل عن معايير الصرف، وكيفية قياس أثره الفعلي على استدامة العرض السينمائي.

حين لا تكفي الملايين لإعادة الجمهور

تتيح قرارات الدعم العمومي المنشورة على امتداد السنوات الماضية تتبع جانب أساسي من تدخل الدولة في تحديث شبكة العرض السينمائي بطنجة. فبلغة الأرقام، استفادت سينما “روكسي” من قرار دعم للتحديث بقيمة 1.9 مليون درهم سنة 2017، فيما أُدرجت سينما “الريف” سنة 2018 ضمن المستفيدين من 550 ألف درهم للتحديث و450 ألف درهم للرقمنة.

وخلال سنة 2019، تقرر تخصيص مليوني درهم لسينما “غويا”، موزعة بالتساوي بين تجديد القاعة ورقمنة شاشاتها الثلاث. كما أُدرج مشروع “موريطانيا” سنة 2020 ضمن المستفيدين من دعم بقيمة 2.8 مليون درهم، فيما استفادت “الريف” من قرار آخر للرقمنة خلال سنة 2023.

وقد استمرت هذه التدخلات خلال سنة 2026؛ إذ قررت لجنة دعم رقمنة وتحديث وإنشاء القاعات السينمائية، في اجتماعها المنعقد يوم 21 يوليوز، تخصيص 3 ملايين درهم لرقمنة الشاشات الثماني بمجمع “ميغاراما سيتي مول”، و575 ألف درهم لتجديد سينما “ألكسار”، إضافة إلى 650 ألف درهم لرقمنتها. وبذلك، بلغ مجموع المبالغ المقررة لهذين المشروعين بطنجة 4 ملايين و225 ألف درهم في تلك الدورة وحدها.

لكن السؤال الذي يطرحه تراكم هذه التدخلات، هو مدى قدرة السياسات العمومية على تحويل الدعم التقني إلى نتائج اقتصادية وثقافية مستمرة. وفي هذا السياق، يرى الدكتور عبد الله أبو عوض أن نجاح الدعم لا ينبغي أن يُقاس بقيمة الاعتمادات أو باقتناء أجهزة جديدة، بل بمدى تحقيق نتائج مستدامة وقابلة للقياس.

ويقترح أبو عوض تقييم المساعدة العمومية على ثلاثة مستويات: مستوى أول تقني يرتبط بتحديث أجهزة العرض والصوت وتحسين استقبال الجمهور؛ ومستوى ثان اقتصادي يقيس تطور الإيرادات وتكاليف التشغيل وقدرة المؤسسة على الاستمرار؛ ومستوى ثالث ثقافي واجتماعي يركز على تنوع البرمجة واستقبال الأفلام المغربية والمستقلة والعروض الموجهة للشباب والطلبة والمدارس. ويعتبر أن المقارنة يجب أن تمتد إلى ثلاث أو خمس سنوات بعد الاستثمار، حتى لا يكون الحكم على المشروع محصورا في سنة الاستفادة من الدعم أو افتتاح القاعة.

ولا ينفصل هذا الطرح عن أسئلة أثيرت سابقا بشأن تدبير برامج الدعم السينمائي، ففي تقرير بعنوان “السياسة العمومية للسينما وحقوق الإنسان بالمغرب”، أصدرته جمعية اللقاءات المتوسطية للسينما وحقوق الإنسان سنة 2023، استنادا إلى تحليل الإطار القانوني والمؤسساتي وتقارير رقابية سابقة، سُجلت ملاحظات بشأن وضوح بعض شروط الاستفادة من صندوق دعم القاعات السينمائية.

وأشار التقرير، الذي استند في بعض خلاصاته إلى افتحاص سابق للمركز السينمائي المغربي أُنجز لحساب وزارة الاقتصاد والمالية، إلى أن المعايير المتعلقة بتأهيل القاعات للاستفادة من المساعدة لم تكن محددة بما يكفي في الإطار التنظيمي الذي شمله التقييم. كما أُثيرت ملاحظات تتعلق بتفصيل المعايير التقنية وتقدير التكاليف المرجعية للتجهيزات، وتطرق التقرير كذلك إلى ضرورة وضوح التزامات المستفيدين، وآليات صرف الدعم، ومراقبة الإنجاز.

ولتجاوز هذه الاختلالات التنظيمية السابقة، نشر المركز السينمائي المغربي نسخة محينة سنة 2026 من دفتر تحملات الدعم الموجه لرقمنة القاعات وتحديثها وإحداثها، تتضمن التزامات صارمة بشأن استمرار النشاط والبرمجة ومراقبة الأشغال وشروط صرف المساعدة، وتشمل هذه الالتزامات، بحسب طبيعة المشروع والفئة المستفيدة، المحافظة على تشغيل القاعة لمدة محددة، وبرمجة الأفلام المغربية خلال عدد من الأسابيع، وربط صرف بعض الدفعات بتقديم الوثائق ومحاضر إنجاز الأشغال. لكن مقتضيات دفتر التحملات الجديد لا يمكن تطبيقها بأثر رجعي على مشاريع حصلت على الدعم خلال سنوات سابقة دون الرجوع إلى الاتفاقيات والشروط التي كانت نافذة عند منح المساعدة.

وبذلك، تبقى البيانات المنشورة كافية لإثبات وجود تدخلات عمومية متعددة، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد حصيلتها الفعلية على مستوى كل قاعة. وهنا يبرز الفرق الجوهري بين تمويل تجهيزات المؤسسة وبين ضمان استمرار جمهورها؛ فالأول يمكن قياسه بقيمة المعدات والاستثمارات، بينما يتطلب الثاني تتبعا دقيقا للحضور والاستدامة الاقتصادية، وفي مقدمة ذلك “البرمجة”.

فتجديد الكراسي والشاشات يظل جهدا بلا طائل إذا لم تقابله قدرة تنافسية على جلب محتوى يملأ هذه المقاعد، وهو ما ينقلنا من سؤال “التجهيز” إلى سؤال أعمق يتحكم في شريان السوق بأكمله: كيف تُدار كواليس توزيع الأفلام، ومن يقرر فعليا طبيعة وموعد وصولها إلى شاشات طنجة؟.

من يختار ما يُعرض؟

لا تظهر جميع العوامل المؤثرة في سوق السينما داخل جداول التذاكر والمداخيل؛ فهناك جانب خفي وحاسم يتعلق بشروط توزيع الأفلام ومواعيد إتاحتها للقاعات المختلفة.

وتكشف دراسة “سيمونا شنايدر” أن هذه الإشكالية كانت مطروحة بحدة في طنجة حتى قبل ظهور المجمعات الحديثة، فقد نقلت الباحثة عن صلاح الدين الداودي، الذي كان يدير سينما “باريس” آنذاك، أن تحول مركز توزيع الأفلام نحو مدينة الدار البيضاء قلص، في تقديره، قدرة بعض القاعات بطنجة على اختيار برمجتها، وجعل نسخا من الأفلام تصل إليها متأخرة بعد عرضها في مدن أخرى، وفي حالة تقنية لم تكن دائما ملائمة.

وتحدث الداودي أيضا عن محاولاته لتنويع البرمجة عبر توزيع أفلام درامية، وأعمال حركة، وكوميديا، وأفلام للأطفال خلال الشهر، إلى جانب مبادرته لتجديد تجهيزات القاعة سنة 1999، قبل أن تصطدم السينما لاحقا بصعوبات جديدة ارتبطت بانتشار نسخ الأفلام المقرصنة.

وهنا، يتدخل الدكتور عبد الله أبو عوض ليؤكد أن توزيع الأفلام يمثل عنصرا حاسما في اقتصاد العرض؛ لأن القاعة لا تبيع المقاعد والتجهيزات فقط، بل تقدم محتوى يتوقف عليه قرار الجمهور بالحضور، موضحا أن القاعات المستقلة قد تجد نفسها في وضع تنافسي بالغ الصعوبة إذا لم تحصل على الأفلام المطلوبة في التوقيت المناسب، أو إذا لم تتلاءم شروط استغلالها مع إمكاناتها المالية وحجم جمهورها.

وتكتسي هذه الإشكالية أهمية مضاعفة في حالة الأفلام الجديدة، التي يرتبط جانب كبير من نجاحها التجاري بفترة العرض الأولى. ففي الوقت الذي يستطيع فيه المجمع الكبير استيعاب أعمال متعددة، تَحُدُّ محدودية الشاشات لدى المؤسسات الصغيرة من قدرتها على الجمع بين الأعمال الجماهيرية والأفلام المغربية والمستقلة في وقت واحد.

غير أن وجود تفاوت اقتصادي بين المشغلين لا يعني، بصورة تلقائية، وجود ممارسات غير مشروعة في التوزيع، ويرى أبو عوض أن إثبات أي سلوك قد يضر بالمنافسة يتطلب فحصا دقيقا لعقود الاستغلال وشروطها، وتواريخ إتاحة الأفلام ومدد عرضها، وتوزيع النسخ بين القاعات، والخلافات المهنية الموثقة إن وجدت، ويشير في هذا الصدد إلى أهمية تنظيم العلاقة التعاقدية بين الموزع ومستغل القاعة، وتقييد العقود المتعلقة بالاستغلال التجاري للأفلام في السجل الوطني للسينما، بما يسمح بتعزيز الشفافية وإمكانية التتبع.

وفي سياق متصل، شهد الإطار القانوني المنظم للصناعة السينمائية المغربية تحولا مهما مع دخول القانون رقم 18.23 حيز التنفيذ ابتداءً من فاتح شتنبر 2025، وصدور نصوص تنظيمية تتعلق بتوزيع الأفلام واستغلال القاعات، من بينها المرسوم رقم 2.25.484. وتفعيلا لهذا الإطار، دعا المركز السينمائي المغربي مستغلي القاعات والموزعين إلى ملاءمة أوضاعهم مع النظام القانوني الجديد داخل أجل انتهى في 31 غشت 2026.

ويتضمن هذا التحديث مقتضيات تفصيلية تتعلق بتنظيم المهن والعلاقات بين أنشطة الصناعة السينمائية، بما فيها الفصل بين قطبي التوزيع والاستغلال وفق الشروط القانونية المقررة.

ويخلص أبو عوض إلى أن تحديث القواعد القانونية لا يضمن بالضرورة تكافؤ القدرات الاقتصادية؛ لأن الفوارق بين القاعة المستقلة والمجمع الكبير تظل مرتبطة بحجم الاستثمار، وتكاليف التشغيل، وشروط التوزيع، والقدرة التسويقية لاستقطاب الجمهور. ولذلك، فإن قياس التنافسية الحقيقية للسوق السينمائية بطنجة يتطلب الانتقال من مجرد حساب حصص التذاكر، إلى فحص أعمق لكيفية وصول الأفلام إلى كل قاعة، والمدة التي تبقى فيها معروضة، ومدى تنوع الخيارات التي تُقدم فعليا للمتفرج الطنجي.

وهو تنوع لا يقف عند حدود مسالك التوزيع التجاري الصرف، بل يتقاطع مباشرة مع الواجهة الثقافية للمدينة؛ فبينما تضاء شاشات طنجة ببريق التظاهرات والمواعيد الكبرى، يطرح استمرار أزمة الإقبال تساؤلا جوهريا حول ما إذا كانت هذه الكثافة الاحتفالية قادرة فعلا على ترميم شباك التذاكر، أم أنها مجرد مواسم عابرة لا تصنع جمهورا دائما.

حين ينتهي التصفيق

تحتفظ طنجة بموقع بارز في الخريطة السينمائية المغربية، ليس فقط من خلال تاريخ قاعاتها، بل أيضا باعتبارها فضاءً نشطا لاحتضان مهرجانات وتظاهرات تجمع صناع الأفلام والنقاد والمهنيين والجمهور. غير أن هذه المكانة تطرح مفارقة تستحق التوقف عندها: كيف يمكن لمدينة تستقطب عشاق السينما بكثافة خلال المهرجانات أن تسجل، في المقابل، تراجعا حادا في إقبال الجمهور على عدد من قاعاتها المستقلة؟

ويتصدر “المهرجان الوطني للفيلم” قائمة المواعيد السينمائية التي ارتبطت باسم طنجة، باعتباره إحدى أبرز التظاهرات المخصصة للاحتفاء بالإنتاج المغربي ومناقشة تطورات الصناعة السينمائية الوطنية. وقد احتضنت المدينة دورته الخامسة والعشرين بين 17 و25 أكتوبر 2025 بقصر الثقافة والفنون، ضمن برنامج شمل مسابقات للأفلام الروائية الطويلة، والوثائقية الطويلة، والأفلام القصيرة، وإنتاجات مدارس ومعاهد السينما، إلى جانب لقاءات مهنية وأنشطة موازية.

وتكشف الحصيلة الرسمية لهذه الدورة عن حجم التعبئة التي تستطيع التظاهرات السينمائية تحقيقها؛ فقد أعلن المركز السينمائي المغربي تسجيل نحو 6500 متفرج في عروض المهرجان، ومنح قرابة 2500 اعتماد للمشاركين والمهنيين. فيما توزعت مسابقاته الأربع على 58 فيلما، شملت 15 فيلما روائيا طويلا، و15 وثائقيا طويلا، و15 فيلما قصيرا، و13 عملا من إنتاج مدارس ومعاهد السينما.

وتعكس هذه المعطيات قدرة المهرجان على استقطاب اهتمام يتجاوز جمهور القاعات التجارية المعتاد، بالنظر إلى مشاركة المهنيين وفرق الأفلام وضيوف التظاهرة والمتفرجين القادمين من مدن مختلفة. لكنها، في المقابل، لا توضح عدد الحاضرين الذين واصلوا ارتياد القاعات السينمائية بعد انتهاء الفعاليات، ولا نسبة سكان طنجة ضمن مجموع هذا الجمهور، كما لا يمكن التعامل مع أعداد الحضور المعلنة باعتبارها معادلا للتذاكر التجارية المباعة.

ولا تقتصر هذه الدينامية على المهرجان الوطني للفيلم؛ فقد احتضنت طنجة أيضا الدورة الرابعة عشرة من “مهرجان طنجة الدولي للفيلم”، الذي تنظمه مؤسسة “سينمانا”، خلال الفترة الممتدة من فاتح إلى رابع أكتوبر 2025. وشمل برنامجه، وفق المعطيات التي أعلنتها الجهة المنظمة، أكثر من 55 فيلما من 23 دولة، موزعة على مسابقات للأفلام الروائية والوثائقية والقصيرة والتحريكية، إلى جانب لقاءات وأنشطة مهنية.

وتكتسي هذه التظاهرة أهمية خاصة في سياق هذا الرصد الميداني، لأن عروضها توزعت بين المركز الثقافي “أحمد بوكماخ” وسينما “روكسي” وسينما “غويا”؛ وهو ما يبرز إمكانية توظيف القاعات السينمائية القائمة في استضافة أنشطة ثقافية تتجاوز البرمجة التجارية الاعتيادية. لكن السؤال يبقى مطروحا بشأن ما إذا كان حضور الجمهور إلى هذه المؤسسات خلال أيام المهرجان، يُترجم لاحقا إلى إقبال منتظم على عروضها التجارية.

كما ارتبط تاريخ طنجة بـ “مهرجان الفيلم القصير المتوسطي”، الذي أُحدث سنة 2002، وشكل فضاء للتعريف بإنتاجات سينمائية من بلدان ضفتي البحر الأبيض المتوسط، وتوثق سجلات المركز السينمائي المغربي تنظيم دورته السابعة عشرة سنة 2019، حيث يعكس هذا الموعد التاريخي تنوع التظاهرات التي احتضنتها المدينة.

وإلى جانب هذه التظاهرات، تحتضن طنجة مواعيد سينمائية أخرى، من أبرزها مهرجان “طنجة زووم للسينما الاجتماعية”، ومهرجان “رأس سبارطيل الدولي للفيلم” الذي بلغ دورته الثانية عشرة في أبريل 2026، ومهرجان “السينما الإفريقية طريفة–طنجة”، الذي رسخ تجربة ثقافية عابرة لضفتي مضيق جبل طارق، و”السينما والمدرسة”، و”المهرجان الدولي لسينما الواقع”، فضلا عن عروض “سينما الشاطئ” المفتوحة للجمهور.

وعلى المستوى الوطني، تكشف حصيلة المركز السينمائي المغربي لسنة 2025 عن تنظيم 69 مهرجانا سينمائيا بالمملكة، مقابل بيع نحو 2.19 مليون تذكرة في القاعات التجارية، بإيرادات بلغت حوالي 129.78 مليون درهم. هذه الأرقام، وإن كانت تعكس حضورا واسعا للنشاط السينمائي بمختلف أشكاله، لا تسمح وحدها باستنتاج وجود علاقة مباشرة بين كثافة المهرجانات وارتفاع الإقبال المنتظم على القاعات. ولا يمكن إجراء مقارنة إحصائية مباشرة بين مبيعات التذاكر التجارية وحضور المهرجانات لاختلاف طبيعة العروض وطرق احتساب الجمهور، لكن مقابلة الدينامية الاحتفالية بواقع شباك التذاكر تثير تساؤلا حول قدرة النشاط الثقافي الظرفي على تنمية الإقبال طوال السنة.

وفي هذا الصدد، يرى الدكتور عبد الله أبو عوض أن نجاح مهرجان في استقطاب متفرجين خلال أيام محددة لا يعني بالضرورة أن هؤلاء سيعودون إلى السينما بانتظام بعد إسدال الستار على فعالياته. ويؤكد أن قياس الأثر الحقيقي للتظاهرات ينبغي أن يتجاوز مجرد إحصاء عدد المشاركين والعروض والاعتمادات المهنية، ليشمل ما تحققه من نتائج مستمرة على مستوى تكوين الجمهور.
ولتقييم هذه النتائج، يقترح أبو عوض قياس نسبة الجمهور الذي يعود فعليا إلى القاعات خلال الأشهر الثلاثة أو الستة الموالية للتظاهرة، وتتبع الأفلام التي تنتقل من البرمجة المهرجانية إلى مسالك الاستغلال التجاري، فضلا عن رصد تطور الإقبال على الإنتاجات المغربية والمستقلة. كما يدعو إلى تقييم الشراكات المبرمة بين المهرجانات والقاعات والمؤسسات التعليمية والثقافية، واحتساب تكلفة استقطاب المتفرج، ومدى استمرار علاقته بالسينما بعد انتهاء التظاهرة.

وتبرز في هذا السياق أهمية التجارب التي تعمل على تطوير علاقة أكثر انتظاما بين الجمهور والسينما، وفي مقدمتها “الخزانة السينمائية بطنجة”، التي تجمع بين عروض الأفلام والأنشطة الثقافية والتربوية والنقاشات. كما تتيح شراكاتها مع مؤسسات ثقافية، من بينها المعهد الفرنسي بطنجة، تنظيم عروض مبرمجة خارج فترات المهرجانات؛ وهو ما يكشف عن إمكانية بناء نشاط سينمائي مستمر لا يرتبط حصريا بالمواعيد الاحتفالية.

غير أن وجود هذه المبادرات لا يكفي، في حد ذاته، لإثبات وصولها إلى جمهور واسع أو قدرتها على تعويض التراجع المسجل في القاعات المستقلة. فقياس أثرها يتطلب معطيات دقيقة عن تكرار حضور المتفرجين، وطبيعة الفئات المستفيدة. وهكذا، فإن التحدي الذي تطرحه المهرجانات في طنجة لا يكمن في قدرتها على استقطاب الجمهور لبضعة أيام، بل في معرفة ما إذا كانت المدينة تنجح في تحويل هذا الاهتمام المؤقت إلى ممارسة ثقافية مستدامة.

من الشاشة الكبيرة إلى شاشات الجيب

وإذا كانت المهرجانات تطرح سؤال القدرة على صناعة جمهور دائم، فإن التحولات الاجتماعية والتكنولوجية تفتح جانبا آخر من القضية، يتعلق بالطريقة التي أصبح يستهلك بها سكان طنجة الأفلام، وبالمكانة التي ما زالت تحتلها القاعة السينمائية ضمن شبكة اختياراتهم الثقافية والترفيهية.

فمن زاوية سوسيولوجية وثقافية، يرى الناقد والمخرج عز الدين الوافي أن العلاقة بين الجمهور والسينما شهدت تحولا هيكليا عميقا مع الانتشار الواسع للتلفزيون والأجهزة الرقمية والهواتف الذكية؛ بعدما كانت القاعة السينمائية تحتل مكانة ريادية باعتبارها فضاء للمشاهدة الجماعية. ويشير الوافي إلى أن الذهاب إلى السينما في الماضي كان يتجاوز فعل متابعة الفيلم نفسه، ليشكل طقسا للخروج واللقاء وتبادل الانطباعات، في حين أتاحت الوسائط الحديثة إمكانية مشاهدة الأعمال السينمائية داخل المنازل، دون التقيد بمواعيد العروض أو تكبد عناء التنقل.

وهذا التحول لم يغير “مكان” المشاهدة فحسب، بل أعاد تشكيل طبيعة العلاقة مع الفيلم. فبينما تفرض القاعة على جمهورها تجربة جماعية محكومة بموعد محدد وشاشة مشتركة، تمنح الوسائط الرقمية للمتفرج سيادة مطلقة لاختيار توقيت المشاهدة وإيقاف الفيلم واستكماله لاحقا. غير أن طغيان هذه الوسائط لا يعني بالضرورة أن المشاهدة الجماعية فقدت سحرها، بل يعكس واقعا جديدا أصبحت فيه السينما تتنافس بشراسة مع أشكال متعددة من المحتوى البصري.

وإلى جانب هذا التحول التكنولوجي، يستحضر الوافي التوسع العمراني السريع الذي عرفته طنجة، وتغير إيقاع الحياة اليومية، وارتفاع تكاليف الترفيه، باعتبارها عوامل متداخلة أسهمت مجتمعة في إعادة صياغة عادات الجمهور. فلم يعد قرار الذهاب إلى السينما مرتبطا بسعر التذكرة المباشر وحده، وإنما بات مثقلا بتكاليف التنقل والوقت الذي يتطلبه الوصول إلى القاعة، خصوصا مع اتساع الرقعة الجغرافية للمجال الحضري.

وفي هذا الصدد، يشير الوافي إلى أن أسعار التذاكر في بعض القاعات أصبحت تشكل، في تقديره، عبئا ماليا بالنسبة لفئات واسعة من الجمهور، مستحضرا أسعارا تقريبية تتراوح بين 40 و60 درهما، وتسمح المعطيات الرسمية بوضع هذه الشهادة السوسيولوجية في سياق اقتصادي دقيق؛ فبالعودة إلى الأرقام الإجمالية لسنة 2025 (مداخيل شباك التذاكر بطنجة نحو 7.59 ملايين درهم، مقابل 151 ألفاً و197 دخولا)، يتبين أن متوسط الإيراد المحقق عن كل تذكرة يبلغ حوالي 50 درهما.

غير أن هذا المتوسط الحسابي لا يعكس بالضرورة الثمن الفعلي الذي يؤديه كل متفرج بحسب القاعة أو صنف الفيلم، لكن تتضاعف أهميته عند النظر إلى السينما بوصفها نشاطا عائليا، فتكلفة مشاهدة فيلم بالنسبة لشخص واحد تختلف جذريا عن الميزانية التي تتحملها أسرة ترغب في مرافقة أبنائها إلى القاعة، خصوصا عندما تُضاف مصاريف التنقل أو الاستهلاك الموازي داخل الفضاءات التجارية.
ومن هنا، تبرز ضرورة التمييز بين استمرار “الاهتمام بالأفلام” واستمرار “عادة الذهاب إلى القاعة السينمائية”. فالمشاهدة عبر الشاشات المنزلية والمنصات الرقمية لا تعني بالضرورة تراجع الاهتمام بالفن السينمائي، لكنها تغير ظروف استهلاكه، وقد تؤثر بشكل مباشر في عدد المرات التي يقرر فيها المتفرج اقتطاع جزء من ميزانيته ووقته لشراء تذكرة والجلوس أمام الشاشة الكبيرة.

ويعتبر عز الدين الوافي أن المجمعات الحديثة، ورغم ما توفره من بنية تقنية متطورة، لم تستطع تعويض جميع الوظائف الاجتماعية والثقافية التي كانت تؤديها القاعات القديمة، خصوصا ما يتعلق بالتلاقي والتواصل الإنساني، والتنشئة الثقافية والانفتاح على تجارب فنية وإنسانية متنوعة.

وتعيد هذه القراءة النقدية النقاش إلى جوهر “التجربة” التي توفرها السينما. فبينما رسمت لغة الأرقام خريطة قاسية لتوزيع المداخيل والتذاكر، فسرت التحولات الاجتماعية دوافع انسحاب المتفرج نحو عزلته الرقمية. وفي نهاية المطاف، لا يكمن التحدي في افتعال مواجهة خاسرة بين المشاهدة الجماعية والوسائط الرقمية، بل يتأسس على بناء شروط جديدة تجعل ارتياد السينما ممارسة ثقافية حية.

المشهد الأخير.. حكاية لم تنتهِ

وتقود المعطيات التاريخية والإحصائية المجمعة إلى نتيجة أساسية، تتجلى في أن تراجع القاعات السينمائية المستقلة في طنجة لم يكن حدثا مفاجئا بدأ مع ظهور المجمعات الحديثة، بل مسارا أقدم ارتبط بعوامل مركبة تشمل تغير البرمجة، وظروف التشغيل، وأنماط المشاهدة. كما أن صعود المجمعات متعددة الشاشات لم يؤدِّ إلى اختفاء الإقبال على السينما بالمدينة، بقدر ما صاحبه تحول جذري في خريطة توزيع التذاكر والمداخيل، لتتأرجح مصائر المؤسسات التاريخية بين التوقف، أو إعادة التأهيل، أو محاولة الاستمرار عبر مبادرات ثقافية.

وأمام هذا الواقع، تبرز قراءتان متكاملتان للأزمة؛ قراءة اقتصادية يتبناها باحثون مثل الدكتور عبد الله أبو عوض، تشدد على ضرورة بناء سياسة متكاملة تربط الدعم بتكوين الجمهور واستدامة القاعات بعيدا عن مجرد تمويل التجهيزات. وقراءة سوسيولوجية، يمثلها الناقد عز الدين الوافي، ترى أن فقدان القاعات القديمة يمس الذاكرة البصرية والاجتماعية للمدينة، مما يفرض إيجاد وظائف جديدة لهذا الإرث.

وإذا كانت الإجابة الحاسمة عن مصير التنوع السينمائي، أو المدى الفعلي لنجاح الدعم العمومي، تظل محدودة بسبب عدم توفر بيانات تفصيلية كافية بشأن عقود التوزيع والبرمجة ونتائج تنفيذ مشاريع التأهيل؛ فإن ما تكشفه الإحصائيات والوقائع الموثقة يكفي لإظهار تحول بنيوي كبير في منظومة العرض السينمائي بطنجة. فقد بدأ تراجع القاعات المستقلة قبل وصول المجمعات الحديثة، ثم أعقب ظهورها تغير عميق في توزيع الدخول والمداخيل، بينما تباينت مصائر القاعات التاريخية بين الإغلاق وإعادة التشغيل والتعثر ومحاولات الاستمرار. وهي نتائج تتجاوز التفسيرات المبسطة للأزمة، وتفتح نقاشا مشروعا حول توازن السوق والسياسات العمومية وسبل بناء جمهور سينمائي منتظم.

ولعل أبلغ تلخيص لهذا التحول العميق لا يكمن في لغة الأرقام وحدها، بل في استعارة لغة السينما نفسها. فقبل عقود، كان “محمد” يحرص داخل غرفة العرض على أن تصل بكرات الفيلم إلى الشاشة بالترتيب الصحيح، لضمان ألا تنقطع الحكاية أمام المتفرجين. أما حكاية السينما في طنجة اليوم، فلم تعد تتوزع بكراتها بين القاعات بالطريقة ذاتها. فقد انتهت عروض في مؤسسات وأُسدل ستارها، وعادت الحياة إلى أخرى بعد التأهيل، فيما اتجهت الحصة الكبرى من الجمهور نحو مجمعات الشاشات المتعددة.

وبين الحكايتين، ارتسم مسار طويل من التحولات التي لم تغير أماكن مشاهدة الأفلام فقط، بل أعادت تشكيل العلاقة بين الثقافة والاستثمار والجمهور. ولعل السؤال الذي يتركه هذا المسار مفتوحا لا يتعلق بعدد الشاشات التي ستحتفظ بها طنجة في المستقبل، بل بطبيعة “التجربة السينمائية” التي ستتيحها لسكانها، ومدى قدرتها على الجمع بين الاستثمار الحديث والتنوع الثقافي، حتى لا تتحول ذاكرة قاعاتها القديمة إلى مجرد حكايات تُروى عن زمن كانت فيه السينما موعدا اجتماعيا ينتظره الجميع.

 

تندرج هذه المادة ضمن سلسلة “أرقام تروي طنجة”، وهي سلسلة ملفات صحفية معمقة ومدعومة بالبيانات، تضع المشهد الثقافي والذاكرة الحضرية بطنجة تحت المجهر، وتهدف إلى تفكيك واقع البنيات التراثية، ومساءلة مسارات التمويل العمومي، وتتبع التحولات التي طالت الفضاءات الثقافية والأنشطة التقليدية، وصولا إلى تقييم السياسات المحلية بلغة الأرقام.

شاركها. فيسبوك واتساب تويتر

المقالات ذات الصلة

تقرير رسمي: إشكالية الشغل بجهة طنجة تتجاوز البطالة وتشمل نقص التشغيل

الأمم المتحدة تتوج “طنجة المتوسط” بجائزة دولية لجذب الاستثمارات الرقمية

مارسيل خليفة يفتتح مهرجان العود بتطوان.. و50 عازفاً مغربياً يحيون حفل الختام

بعد 60 عاماً على استقدامهم.. تقرير يوثق دور المغاربة في بناء بلجيكا المعاصرة

طاقة الرياح بشمال المغرب.. كيف تتحول الجبال إلى عقبة أمام إنتاج الكهرباء؟

ثورة كهربائية في مضيق جبل طارق.. عبّارتان جديدتان تدخلان الخدمة ابتداءً من 2027

آخر المقالات

تقرير رسمي: إشكالية الشغل بجهة طنجة تتجاوز البطالة وتشمل نقص التشغيل

26 أكتوبر، 2026

الأمم المتحدة تتوج “طنجة المتوسط” بجائزة دولية لجذب الاستثمارات الرقمية

26 أكتوبر، 2026

مارسيل خليفة يفتتح مهرجان العود بتطوان.. و50 عازفاً مغربياً يحيون حفل الختام

26 أكتوبر، 2026

بعد 60 عاماً على استقدامهم.. تقرير يوثق دور المغاربة في بناء بلجيكا المعاصرة

26 أكتوبر، 2026

ما لا تعرضه الشاشات.. حين أعادت حسابات السوق كتابة حكاية السينما بطنجة

26 أكتوبر، 2026

طاقة الرياح بشمال المغرب.. كيف تتحول الجبال إلى عقبة أمام إنتاج الكهرباء؟

26 أكتوبر، 2026

ثورة كهربائية في مضيق جبل طارق.. عبّارتان جديدتان تدخلان الخدمة ابتداءً من 2027

26 أكتوبر، 2026

بمشاركة جامعة عبد المالك السعدي.. بحث مغربي يختبر سبل تحسين جودة الخرسانة في البناء

26 أكتوبر، 2026

غلاء المحروقات يخنق قطاع الصيد البحري في طنجة وسط تحذيرات من شلل تام وتسريح للعمال

25 أكتوبر، 2026
© 2026 جميع الحقوق محفوظة.
  • أخبار
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • تربية وتعليم
  • متابعات
  • ثقافة و فنون
  • الرياضة
  • بنوراما
  • ميديا

اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter

Journal Tanja24