في أي مجتمع يحكمه القانون، تظل قدسية الحياة الخاصة خطا أحمر لا يملك أحد، أخلاقيا أو سياسيا، حق تجاوزه. فحق الفرد في اعتناق ما يشاء من أفكار، أو العيش وفق ما يختاره من ميولات ومعتقدات داخل فضائه الخاص، يشكل أحد الأعمدة التي تقوم عليها الحريات المدنية، ولا يحتاج إلى تبرير ما دام محصورا في دائرته الذاتية، ولا يفرض نفسه على الآخرين، ولا يلقي بآثاره على المجال العام.
غير أن هذه القاعدة، الواضحة في منطلقها، تعرف تحولا جوهريا في اللحظة التي يقرر فيها الفرد، بإرادته الحرة، كسر الجدار الفاصل بين الخاص والعام. فحين ينتقل السلوك من حيز الخصوصية إلى فضاء النشر العلني، عبر منصات رقمية مفتوحة، مشفوعا بآليات الترويج واستجداء التفاعل، فإننا نكون أمام وضعية مختلفة تماما، تنتفي فيها حصانة الحرية الفردية بصيغتها المطلقة، لتحل محلها المسؤولية القانونية والاجتماعية، بما تفرضه من محاسبة وحدود.
وفي هذا السياق، يجدر التوقف عند خصوصية التجربة المغربية في تدبير العلاقة بين الحياة الخاصة والسلطة العامة، وهي تجربة قطعت، بتراكم هادئ، مع منطق المراقبة الأخلاقية أو التتبع الاستباقي لاختيارات الأفراد داخل فضائهم الخاص.
فالممارسة المؤسساتية لم تعد تقوم على تتبع ما يجري خلف الأبواب المغلقة، ولا على تحويل الأحكام المجتمعية أو الافتراضات الأخلاقية إلى أساس للتدخل، بل على مبدأ واضح مفاده أن الفضاء الخاص يظل محميا ما لم يتحول، بحكم الوقائع، إلى امتداد لإخلال ظاهر بالطمأنينة العامة أو النظام العام أو الأمن العام.
ومن هنا، فإن امتداد تدخل السلطات إلى بعض تفاصيل الحياة الخاصة، في حالات محدودة، لا يكون غاية في ذاته ولا نتيجة رغبة في الوصاية، بل تحصيلا حاصلا لمسار قانوني آخر، يبدأ غالبا بشكاية، أو نزاع، أو واقعة عنف، أو جريمة قائمة بذاتها، تفرض التدخل بحكم القانون.
في مثل هذه الحالات، لا تستدعى الحياة الخاصة بوصفها هدفا، بل تظهر عرضا أثناء معالجة واقعة موضوعية، وتخضع، في جميع الأحوال، لمنطق الإثبات القضائي الصارم، لا لمزاج الرأي العام ولا لضغط الاتهام الاجتماعي.
هنا تحديدا، يصبح من الضروري إخراج النقاش من دائرة الشعارات الجاهزة التي تختبئ خلف حرية التعبير. ففي أعرق التجارب الديمقراطية، لم تفهم هذه الحرية يوما باعتبارها حقا سائبا أو معزولا عن النظام العام، بل كحق مشروط بالتوازن بين ما يعبر عنه الفرد، وما يضمن للمجتمع فضاء عاما آمنا ومحكوما بضوابط القيم المشتركة. فالحرية، في جوهرها، ليست نقيض التنظيم، بل لا تستقيم بدونه.
وطنجة، في هذا السياق، ليست مدينة طارئة على الانفتاح ولا غريبة عن الجرأة. على العكس، فهي واحدة من أكثر المدن المغربية والعربية التي عاشت، تاريخيا، تعدد الهويات وتعايش الاختلافات الفكرية والثقافية دون صدام.
في هذه المدينة كتبت نصوص جريئة، وأطلقت أسئلة صادمة لزمنها، واحتضنت تجارب أدبية وفنية أثارت سجالات حادة، لكنها ظلت دائما ضمن أفق النقاش الإبداعي لا الفوضى.
يكفي التذكير بأن أعمال محمد شكري فجرت نقاشا غير مسبوق حول الهامش والمسكوت عنه، وأن نصوص بول بولز وكتابات محمد الصفريوي وجان جينيه أثارت جدلا فكريا وأخلاقيا عميقا، دون أن يتحول ذلك إلى فوضى أو ابتذال.
كانت الجرأة حاضرة، والاختلاف قائما، لكن ضمن وعي جمعي غير مكتوب، يميز بين التعبير الإبداعي والاستعراض المجاني، وبين كسر التابوهات وتهشيم الذوق العام.
لم تفرض تلك الأعمال يوما على الجمهور قسرا، ولم تسوق كمنتج يومي يقتحم الفضاء العام ويطالب الجميع بالتفاعل معه. كانت نصوصا تقرأ أو ترفض، تناقش أو تنتقد، لكنها بقيت ضمن سياقها الثقافي، تخاطب من يختار الاقتراب منها، لا من يدفع إليها دفعا.
وهذا الفرق الجوهري هو ما يجعل المقارنة مع ما يحدث اليوم مقارنة غير متكافئة. فالقضية المطروحة حاليا، كما في حالات بعض المؤثرين ومنهم آدم بنشقرون، لا تتعلق بجرأة فنية ولا باختيارات شخصية، بل بمحتوى ينتج عن وعي كامل، ويضخ إلى فضاء عام مشترك، يضم قاصرين وراشدين، تحت غطاء الحرية، بينما هو في جوهره قائم على الاستفزاز والابتذال وتقويض الذوق العام.
لقد أصبح الفضاء الرقمي، بحكم الواقع والتأثير، امتدادا عضويا للفضاء العام الفيزيائي، وتخضع ممارساته، من حيث المبدأ، لنفس منطق التنظيم القانوني.
ففعل النشر ليس ممارسة بريئة أو محايدة، بل هو قرار بإشراك الجميع في مضمون معين، مع ما يترتب عن ذلك من آثار اجتماعية وثقافية وتربوية. ومن هذا المنطلق، فإن التترس خلف الحرية الفردية لتبرير كل انفلات لا يعد دفاعا عن الحرية، بل تنصلا من المسؤولية.
في هذا السياق، يبدو من القصور التحليلي قراءة حزم السلطات وتدخل القضاء باعتباره اعتداء على الحريات أو انقلابا على تاريخ طنجة المنفتح.
فالدولة، حين تتدخل، لا تحاكم الميولات ولا تقتحم الضمائر، بل تمارس دورها المشروع في حماية الفضاء العام، وصون النظام العام، والحفاظ على الحد الادنى من القيم التي يقوم عليها العيش المشترك.
الرسالة التي ينبغي التقاطها من هذا المسار ليست رسالة قمع، بل رسالة تنظيم وضبط. الحرية مكفولة لكنها ليست سائبة، والتعبير حق دستوري لكنه ليس بلا كلفة. والمنصات الرقمية، مهما تعاظمت قوتها، لا يمكن أن تتحول إلى جزر معزولة فوق القانون أو فوق المجتمع.
الخطر الحقيقي لا يكمن في حزم الدولة، بل في التطبيع الجماعي مع الرداءة، وفي القبول بتحويل الابتذال إلى نموذج، والادعاء أنه امتداد لتاريخ مدينة عرفت الانفتاح دون أن تفقد بوصلتها. حينها لا نخسر فقط تقاليد النقاش العمومي الرصين، بل نفرغ مفهوم الحرية ذاته من معناه، ونحوله إلى أداة تفكيك بدل أن يبقى رافعة للوعي والمسؤولية.
إن الحزم، في مثل هذه المنعطفات، ليس نقيضا للحرية، بل شرطا من شروط حمايتها. ومدينة مثل طنجة، التي خبرت التعايش والاختلاف لعقود، لا تحتاج إلى دروس في الانفتاح، بقدر ما تحتاج إلى صون معناه من التشويه.







