فتحت حملة نفذتها السلطات المحلية بطنجة، الثلاثاء، لحجز خيول مستغلة داخل المجال الحضري، نقاشا جديدا حول شروط إيواء الحيوانات بعد نقلها إلى المحجز، في وقت يتجاوز فيه الملف مجرد ضبط مخالفات مرتبطة بالشاطئ والأحياء.
واستهدفت العملية، وفق المعطيات المتوفرة ، كلا من حي الشرف وحي مغوغة الصغيرة، في إطار محاربة تربية الخيول والمواشي داخل الأحياء، والحد من استغلالها في الفضاءات العامة، خصوصا على مستوى الشاطئ البلدي.
وشاركت في الحملة عناصر من القوات المساعدة وأعوان السلطة وممثل عن الشرطة القضائية، مع تعبئة ثلاث شاحنات وعربة نقل. وأسفر التدخل عن حجز 12 حصانا ومصادرة 10 أسرجة، قبل نقل الخيول إلى المحجز البلدي بأصيلة.
وبحسب المعطيات نفسها، واجهت العملية مقاومة من بعض أصحاب الخيول بمنطقة الشرف، في محاولة لعرقلة تدخل السلطات، قبل تحديد هويات المعنيين واستكمال الإجراءات القانونية.
وتندرج هذه الحملات ضمن صلاحيات ضبط المجال الحضري، وحماية السلامة والنظافة والسكينة العامة، وتنظيم استعمال الفضاءات المفتوحة، خصوصا حين يتعلق الأمر بأنشطة تمارس خارج الضوابط القانونية والصحية.
غير أن مرحلة ما بعد الحجز تطرح سؤالا موازيا لا يقل أهمية عن التدخل نفسه. فالخيول المحجوزة لا تدخل في خانة المحجوزات المادية العادية، مثل السيارات أو الدراجات أو المعدات، بل هي كائنات حية تحتاج إلى شروط إيواء ورعاية لا توفرها المسطرة الإدارية وحدها.
ولا يتعلق السؤال بما إذا كان المحجز مخصصا للحيوانات على إطلاقه، بل بما إذا كان مهيأ لاستقبال الخيول المحجوزة، وهي حيوانات تحتاج إلى شروط خاصة، من السقي والعلف والتهوية والحركة، إلى الفحص البيطري والتتبع اليومي.
وتكتسب هذه الأسئلة وزنا إضافيا في طنجة، بعدما أثارت واقعة نفوق فرس داخل المحجز الجماعي، أواخر 2024، انتقادات محلية وجمعوية بشأن شروط إيواء الحيوانات المحجوزة. وعرف الملف حينها إعلاميا باسم “الحصان النافق”.
ولا تجعل هذه السابقة من كل عملية حجز ملفا مماثلا بالضرورة، لكنها تجعل سؤال الإيواء داخل المحجز سؤالا عمليا لا افتراضيا. فالحيوان، بمجرد نقله من يد مالكه إلى عهدة مرفق عمومي، لا يعود فقط موضوع مخالفة أو محضر حجز، بل يصبح موضوع حراسة ورعاية وتوثيق.
وتطرح العملية الأخيرة أسئلة حول ما إذا كانت الخيول المحجوزة قد خضعت لمعاينة بيطرية عند وصولها، وما إذا جرى تدوين حالتها الصحية، وتوفير الماء والعلف والفضاء المناسب، وتحديد الجهة المسؤولة عن تتبعها إلى حين تسوية وضعيتها القانونية.
ويبدو هذا المعطى أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بخيول كانت مستغلة في الشاطئ أو داخل الأحياء، إذ قد تصل بعض الحيوانات إلى المحجز في حالة إنهاك أو سوء تغذية أو إصابات غير ظاهرة.
وفي غياب معاينة أولية دقيقة، تصبح المسؤولية لاحقا موزعة بين أكثر من جهة، من دون وثيقة واضحة تضبط حالة الحيوان عند دخوله.
ويقول متابعون إن الحزم في مواجهة استغلال الخيول داخل المجال الحضري يظل ضروريا، خصوصا أمام ما تثيره هذه الممارسات من فوضى ومخاطر على السلامة والنظافة. غير أن هذا الحزم لا يكتمل عند لحظة الحجز، بل عند ضمان مآل واضح للحيوان بعد نقله.
وتكشف هذه الوضعية إحدى حلقات التدبير التي غالبا ما تظهر بعد التدخلات الميدانية. فالمشكل لا ينتهي بإبعاد الخيول عن الشاطئ أو الأحياء، بل ينتقل إلى سؤال أكثر دقة: من يتكفل بها؟ وبأي شروط؟ ووفق أي سجل صحي وإداري؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا تدهورت حالتها داخل المحجز؟
وتطالب أصوات مدنية بربط حملات الحجز بتدابير مرافقة، تشمل المعاينة البيطرية المنتظمة، وتخصيص فضاءات مناسبة للخيول، وتوفير السقي والعلف، وإحداث سجل لتتبع الحالة الصحية، مع تحديد المسؤوليات بين السلطة المحلية والجماعة والمصالح البيطرية والجهة المكلفة بتدبير المحجز.
وبين ضرورة إنهاء فوضى تربية واستغلال الخيول داخل الأحياء والشاطئ، وواجب ضمان سلامتها بعد الحجز، تضع حملة الثلاثاء السلطات والجماعة أمام اختبار مزدوج: فرض النظام في الفضاء العام، وتجنب أن تتحول الحيوانات المحجوزة إلى تفصيل ثانوي داخل مسطرة إدارية صممت، في الأصل، للتعامل مع المحجوزات أكثر مما صممت للتعامل مع كائنات حية.







