يصعب على من يتأمل اليوم الصورة الجوية لميناء “طنجة المتوسط”، بأرصفته الممتدة في البحر وحواجزه الإسمنتية وساحاته المكدسة بالحاويات، أن يتصور كيف كان يبدو هذا الساحل قبل ربع قرن.
فالمكان الذي تتقاطع فيه خطوط الملاحة الدولية، وتتحرك عبره تجارة تربط بين قارات العالم، كان يحمل اسما متواضعا في جغرافية شمال المغرب: واد الرمل.
لم يكن الاسم يشير إلى موقع جغرافي فحسب، بل إلى شاطئ رملي عند مصب واد ينحدر من مرتفعات أنجرة، ومرسى تقليدي يلجأ إليه الصيادون، ومجال قروي عاش سكانه على صلة مباشرة بالبحر والأرض.
ولعل المفارقة أن هذا الشاطئ، الذي تراجع حضوره في التداول العام أمام الاسم العالمي “طنجة المتوسط”، كان معروفا للبحارة والجغرافيين وعلماء الآثار قبل أن تتجه إليه أنظار المهندسين والمستثمرين.
ففي وثائق جغرافية إسبانية تعود إلى مطلع القرن العشرين، يظهر اسم “مرسى الرمل” باعتباره خليجا يقع بين رأس الدالية ورأس سايمار، ضمن سلسلة المراسي الطبيعية التي ميزت الساحل الجنوبي لمضيق جبل طارق.
آثار رومانية تحت منشآت الميناء
في عام 1953، وصل عالم الآثار الإسباني ميكيل تاراديل إلى منطقة واد الرمل خلال أبحاثه حول المواقع القديمة بشمال المغرب.
وعلى مرتفع صغير غرب مصب الوادي قرب الشاطئ، عثر على بقايا جدران وقطع من الأواني الفخارية و”الأمفورات” المرتبطة بنقل المواد الغذائية في العصور القديمة.
وقد شكل هذا الاكتشاف قرينة على وجود نشاط بشري في الحقبة الرومانية، ضمن ساحل عرف انتشار منشآت الصيد وتمليح الأسماك.
يظهر اسم “مرسى الرمل” باعتباره خليجا يقع بين رأس الدالية ورأس سايمار، ضمن سلسلة المراسي الطبيعية التي ميزت الساحل الجنوبي لمضيق جبل طارق.
وفي كتابها “تمليح الأسماك في شمال غرب المغرب القديم” (2015)، استعرضت الباحثة أثينا تراكاداس ما توصل إليه تاراديل، مرجحة أن تكون الآثار بقايا منشأة لتمليح الأسماك، رغم غياب حفريات تفصيلية تحسم في وجود ميناء روماني مجهز.
غير أن المفاجأة تمثلت في المصير الذي انتهت إليه تلك الآثار؛ فخلال عامي 2009 و2010، حاول فريق علمي من جامعة قادس وجامعة عبد المالك السعدي إعادة تحديد الموقع، ليكتشفوا أنه أصبح بالكامل تحت منشآت ميناء طنجة المتوسط، ليختفي من المشهد أحد المواقع الشاهدة على التاريخ البحري القديم للمضيق قبل إخضاعه لدراسة شاملة.
يوم كان الشاطئ يتسع لقوارب الصيادين
وإذا كانت الآثار الرومانية تستدعي تاريخا موغلا في القدم، فإن وثائق الصيد البحري تقدم صورة حية لذاكرة الأجيال القريبة. ففي نهاية التسعينيات، وثق المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، ضمن برنامج مدعوم من “الفاو”، جرد مواقع الصيد التقليدي على الساحل المتوسطي.

وتحت اسم “Oued Rmel”، احتفظ تقرير (1998-1999) ببيانات تبدو اليوم كصورة فوتوغرافية لشاطئ تغيرت معالمه. كان الموقع يضم 47 قاربا للصيد التقليدي يشتغل فيها نحو 150 بحارا. واقتصر الوصف الجغرافي للتقرير على كلمات بسيطة: “شاطئ رملي تصله طريق معبدة”. تكشف هذه الأرقام أن المنطقة لم تكن مجرد شاطئ مهجور، بل احتضنت نشاطا اقتصاديا محليا شكل البحر فيه مورد عيش أساسي لمجتمع أنجرة الساحلي.
زحف الإسمنت وتحول الجغرافيا
في 17 فبراير 2003، أعطى الملك محمد السادس انطلاقة أشغال المركب المينائي في موقع واد الرمل.
ومع وصول الجرافات ومعدات الردم، بدأت تضاريس الساحل تتغير لتفسح المجال أمام الأرصفة والحاويات. وفي يوليوز 2007، دخل أول ميناء للحاويات طور التشغيل، تلاه “طنجة المتوسط 2” عام 2019.

لم تتغير وظيفة الساحل فحسب، بل تغيرت العلاقة اليومية بين السكان والبحر. ففي دراسة للجغرافية الفرنسية سابين بلانيل (2011)، ظهرت الجوانب الاجتماعية والبيئية لهذه التحولات؛ حيث عانى سكان دوار واد الرمل من انخفاض مستوى المياه الجوفية عقب أشغال الأحواض المينائية، وتأثرت تجمعات الأسماك بفعل عمليات الردم. وأعادت هذه الشهادات البعد الإنساني لتاريخ المشروع، مسلطة الضوء على انتقال المنطقة من حياة قروية إلى اقتصاد مينائي صناعي.
من “واد الرمل” إلى “وادي غلالة”
وبعد أكثر من 23 سنة على بدء الأشغال، يستعد الساحل لاستقبال مرحلة جديدة من التوسع. ففي 28 أكتوبر 2026، أعلن عن إطلاق مشروع “طنجة المتوسط 3” باستثمار يبلغ 8 مليارات درهم، لإنشاء 1200 متر من الأرصفة ومعالجة 4.5 ملايين حاوية إضافية سنويا.

وتعيد هذه التوسعة الأنظار إلى “وادي غلالة” غرب المنشآت الحالية، وهو حوض مائي يمتد على 12 كيلومترا مربعا ويتميز بجريان سيلي سريع. ويطرح هذا التوسع التساؤل ذاته الذي رافق الميناء الأول حول كيفية تغير جغرافية الساحل حين تحتل المنشآت مساحات حركة البحر والأودية. وهو ما تناولته دراسة للباحث المغربي عبد الرحيم مقطيط (2022)، رصدت عبر صور الأقمار الاصطناعية تغيرات في دينامية التعرية وتراكم الرواسب منذ بدء المشروع.
ذاكرة تأبى الغرق في أرقام الحاويات
انتقل “طنجة المتوسط” إلى مركز رئيس للتجارة البحرية الدولية، لكن تاريخ المكان يمتد لما هو أبعد من عام 2003. خلف الأرقام المليونية للحاويات، تقبع طبقات من التاريخ؛ آثار رومانية، مراس قديمة، وقوارب صيد تقليدية.
وتبرز هنا أهمية الذاكرة الشفوية لأبناء واد الرمل لاستكمال ما تغفله الدراسات التقنية. ومع انطلاق “طنجة المتوسط 3″، يعود البعد الاجتماعي للواجهة التزاما بتوجيهات الملك محمد السادس بضرورة استفادة سكان المنطقة من العائدات وتسريع إدماج الشباب.

تغيرت السفن، واختلفت طبيعة البضائع، وتبدلت معالم الساحل، لكن الجغرافيا التي اختارها القدماء هي ذاتها التي فرضت المكان كموقع استراتيجي حديث. وفيما تتجه الجرافات نحو الغرب، تبقى صور “واد الرمل” القديمة شاهدا حيا على حياة كاملة سبقت الميناء، وتحولت اليوم إلى جزء أصيل من ذاكرة الفحص أنجرة.







