#بدون_مجاملة
المدينة، قبل أن تكون تراكما هندسيا للإسمنت والحديد، هي في جوهرها تعاقد أخلاقي بين الفضاء والإنسان. غير أن طنجة، في بعض امتداداتها العمرانية الحديثة، تبدو وكأنها بصدد تمزيق هذا التعاقد، لتستبدل به منطقا استهلاكيا فجا يُختزل فيه المواطن إلى مجرد زبون، وتُختزل فيه جودة الحياة إلى مجرد أمتار مربعة تُكدس على مذبح الربحية.
تكفي نظرة فاحصة إلى أطراف عاصمة البوغاز لإدراك حجم التيه العمراني. عمارات تتراص في استلاب خانق، نوافذ تكاد تتنفس في شرفات الجيران، وواجهات تحاصر بعضها في هندسة أقرب إلى الزنازين منها إلى فضاءات العيش.
وحين تداولت منصات التواصل الاجتماعي صور مجمع سكني بأحد أطراف المدينة –بلغت حد السخرية المريرة بتشبيهه بسجن “Prison Break”– فإن الأمر لم يكن مجرد تنمر افتراضي عابر، بل كان صرخة فزع أمام “باثولوجيا” عمرانية باتت تنهش جسد المدينة.
الخطير في هذه الرداءة أنها لا تتسلل في جنح الظلام، بل تتقدم في واضحة النهار، مسلحةً بـ “ذريعة الشرعية”. وهنا تكمن المفارقة المفجعة: ليس كل ما يمهره ختم الإدارة وتسمح به قوانين التعمير، يليق بكرامة البشر.
لقد تحولت التراخيص الإدارية والتصاميم المؤشر عليها إلى ورقة توت تُخفي عورة الجشع العقاري، وكأن الإدارة، بوضع توقيعها، تمنح صك غفران يخرس كل نقد. لكن، متى كان القانون صنما مقدسا إذا كان نتاجه المباشر هو مصادرة حق الإنسان في الضوء، والهواء، والخصوصية؟
إن تقزيم النقاش إلى مجرد “احترام المساطر الإدارية” هو احتيال أخلاقي بامتياز. فالمشكلة ليست في بشاعة مبنى معزول، بل في تحول الرداءة إلى نسق، وفي كون الحقوق البديهية –كالتهوية والخصوصية– أضحت تُناقش وكأنها امتيازات بورجوازية وليست شروطاً أنطولوجية لوجود سكن إنساني.
لا يمكن لطنجة، التي تزهو بواجهاتها البحرية المجددة، ومينائها المتوسطي، وطموحاتها الكونية، أن تقبل بهذه الشيزوفرينيا الحضرية. لا معنى لتلميع واجهة المدينة إذا كانت خلفيتها تُحرم قاطنيها من أبسط مقومات السكينة.
فالمدينة لا تُبنى فقط في الساحات الكبرى التي يلتقط فيها السياح صورهم، بل تُبنى أساسا في الأحياء الهامشية حيث تقضي الأسر، التي تكدح لبناء هذا الاقتصاد، تفاصيل حياتها اليومية.
لا ينبغي أن نقع في فخ الشيطنة السهلة للمنعش العقاري وحده؛ فرأس المال بطبيعته يبحث عن تعظيم أرباحه داخل الهوامش التي يُسمح له بها. الاتهام هنا يجب أن يُوجه بالأساس إلى من يضع “قواعد اللعبة”. إنها مسؤولية سياسية وتخطيطية تتحملها مؤسسات الدولة والمجالس المنتخبة، التي تنازلت عن دورها كحارس للمصلحة العامة، وسمحت بتحولها إلى مجرد حاصل جمع للمصالح العقارية الخاصة.
هذه الخيارات العمرانية الكارثية تضرب في الصميم الفئات الهشة والمتوسطة. إن الأسرة التي تكبل نفسها بعقود من الديون المفرطة لاقتناء شقة، لا تشتري جدرانا، بل تشتري أملا في الاستقرار ومستقبلاً لأبنائها. ومنتهى القسوة والامتهان للكرامة الإنسانية، أن ينتهي هذا العبء المالي الثقيل بحياة تُعاش خلف نوافذ مسدودة الأفق، تسرق من الإنسان حقه في العزلة وتفرض عليه انكشافاً قسرياً على حياة الآخرين.
لقد حان الوقت لكي تخرج طنجة من هستيريا الأرقام، وتنتقل من سؤال التعالي الكمي: “كم وحدة سكنية بنينا؟” إلى سؤال المساءلة القيمية: “كيف نبني وماذا نترك للإنسان؟”. فسياسات السكن التي لا تضع الكرامة الإنسانية في صلب مقاييسها هي سياسات مفلسة، مهما تكدست أرقامها في التقارير الرسمية.
إن أشد ما نخشاه ليس هذه الكتل الإسمنتية المشوهة في حد ذاتها، بل أن تتطبع أرواحنا مع الرداءة حتى نألفها، وأن نستسلم لواقع يتحول فيه العيش الكريم إلى مجرد ذكرى. حينها، لن نكون قد شيدنا مجرد عمارات رديئة، بل سنكون قد هندسنا يأس الأجيال القادمة.







