على إيقاع أمواج البحر الأبيض المتوسط التي تلاطم صخور كورنيش مرقالة، تدب الحياة في شرايين طنجة. يتنزه المارة، ويقف زوار يلتقطون صورا للأفق، ويجلس آخرون يستنشقون نسيم البحر. مشهد عادي في ظاهره، لكنه يخفي وراءه قصة تحول عميق.
ففي هذا المكان بالذات، كانت روائح التلوث تزكم الأنوف قبل أزيد من عقدين، حين كاد الإهمال يعصف بالهوية الساحلية لعاصمة البوغاز.
واليوم، تبدو الواجهة البحرية الممتدة من ميناء طنجة المدينة نابضة بالحياة، في مدينة تتحول إلى قطب حضري واقتصادي يعيد رسم خريطته المجالية.
من موقع باب البحر التاريخي، يقف عبد الواحد البقالي، مدرس التاريخ والجغرافيا المتقاعد، ويتأمل الأفق المفتوح نحو مضيق جبل طارق. يحمل بين يديه صورة ملتقطة في العشرين من فبراير 2000، تظهر شاطئ سيدي بوقنادل غارقا في الإهمال والتلوث.ذ
وبصوت يحمل حنين الباحث، يقول البقالي: “طنجة مدينة عتيقة موغلة في التاريخ، تعاقبت عليها حضارات وشعوب من كل بقاع العالم”.
ويضيف أن من يتجول اليوم في أحيائها وشوارعها “لا يمكنه أن يتخيل كيف كانت في الماضي القريب”.
وقد وثق الأستاذ هذه المرحلة في كتاب عن التلوث البيئي وانعكاساته الصحية. ويرى أن لكل حي وشارع في المدينة قصة تكيف مع حاجيات سكانها وطموحاتهم.
وكان التوسع العمراني والنمو السكاني المتسارع قد فرضا ضغوطا غير مسبوقة على مرافق المدينة. وتحولت السواحل إلى مصبات للمياه العادمة، ما هدد جاذبية طنجة السياحية والاقتصادية، ووضع المسؤولين أمام تحد حقيقي يتمثل في ضمان استدامة هذه الحركية.
وتكشف المعطيات التقنية حجم المشكلة التي واجهتها طنجة مطلع الألفية، إذ كانت المدينة تصرف مياهها العادمة مباشرة نحو البحر عبر 28 نقطة، قبل أن تسمح الأشغال الأولى، التي شملت مد نحو 50 كيلومترا من قنوات التجميع وإنشاء منشآت للضخ والرفع، بتقليص عدد نقاط التصريف إلى نقطتين.
وأمام هذا الوضع، برزت حاجة ماسة إلى بنية تحتية قادرة على استيعاب صدمة النمو الديموغرافي والاقتصادي.
وفي قلب ورش التأهيل، برز دور شركة “أمانديس”، المفوض لها تدبير الخدمات الأساسية في المدينة، والتي بادرت إلى إرساء منظومة متكاملة لحماية السواحل وتطوير القطاع.
وشكل مشروع إزالة التلوث عن خليج طنجة، الذي رصد له غلاف مالي قدره 600 مليون درهم، إحدى المحطات الرئيسية لهذا التحول.
وشمل المشروع إنشاء شبكة من القنوات الرئيسية لتجميع المياه العادمة، وتحويلها عبر محطات الضخ نحو منشأة المعالجة الأولية قرب ميناء طنجة المدينة، بدل استمرار تصريفها مباشرة في الواجهة الساحلية.
وعبر تحديث الشبكات وتثبيت مضخات ضخمة لتدوير المياه وتصفيتها، تراجعت مظاهر التلوث الساحلي، وعادت الجمالية إلى الواجهة البحرية.
وأتاح هذا التخطيط المتواصل، إلى جانب التدخل الميداني لصيانة المنشآت، توفير خدمات تواكب مجالا ترابيا يتوسع باستمرار.
وتؤدي محطة المعالجة الأولية بميناء طنجة دورا رئيسيا في هذه المنظومة، إذ تستقبل، وفق معطيات “أمانديس”، معظم المياه العادمة للمدينة، وتخضعها لعمليات إزالة المواد الصلبة والرمال والزيوت قبل تصريفها عبر قناة بحرية تمتد إلى مسافة 2.2 كيلومتر من الشاطئ.
وتعكس المؤشرات المعلنة حجم التوسع الذي شهدته هذه الخدمات، إذ تشير بيانات “أمانديس” لسنة 2026 إلى بلوغ نسبة التغطية بخدمة التطهير السائل في طنجة 98.96 في المائة، فيما كان طول الشبكة التي تشرف عليها الشركة قد تجاوز 3100 كيلومتر وفق معطيات أعلنتها سنة 2024.
وتفرض هذه البنية التحتية الواسعة عمليات صيانة مستمرة للحفاظ على قدرتها الاستيعابية. وخلال دجنبر 2025، شملت تدخلات الشركة تنظيف نحو 360 كيلومترا من القنوات، وتنقية حوالي 40 ألف بالوعة و50 ألف منشأة لتصريف المياه، إلى جانب معالجة نحو 6 كيلومترات من الأودية والمجاري المائية، في إطار الاستعداد للتساقطات المطرية والحد من مخاطر الفيضانات.
وامتدت جهود التأهيل إلى إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة في سقي المساحات الخضراء، عبر محطة بوخالف التي دخلت الخدمة سنة 2015، وتعتمد المعالجة البيولوجية والترشيح والتطهير لإنتاج مياه صالحة للسقي.
وقد تجاوزت الاستثمارات المرصودة لهذا البرنامج 415 مليون درهم بحلول سنة 2022، فيما تشير مؤشرات “أمانديس” لسنة 2026 إلى استفادة 421 هكتارا من المساحات الخضراء من المياه المعالجة المعاد استعمالها.
ولم يكن هذا الانتقال مجرد عملية تجميل عابرة، بل استجابة لضرورة ضمان جودة العيش في فضاء حضري بات يستقطب استثمارات كبرى.
وحين يقارن أبناء طنجة صور الأمس بواقع اليوم، يدركون أن هذا المشهد ثمرة سنوات من العمل والمجهودات المشتركة.
يطوي البقالي صورته القديمة ويعيدها إلى جيبه، ثم يتأمل الحركة الدؤوبة من حوله. ويختتم حديثه بقناعة راسخة بأن طنجة “ليست مجرد مدينة يتغير شكل الأماكن فيها، بل قصة تطور مستمر تحافظ عبره على تاريخها العريق”.
ويضيف مبتسما، وهو يرمق البحر: إنها ستظل “مدينة الأمس، ومدينة اليوم، ومدينة المستقبل”.







