لم تعد خطواتك، أو ملامح وجهك، أو لوحة ترقيم سيارتك تفلت بسهولة من عدسات المراقبة في طنجة.
فالمدينة لا تحتاج اليوم إلى أبراج مراقبة تقليدية؛ إذ حلت محلها شبكة متداخلة من الكاميرات المثبتة فوق مداخل العمارات، وواجهات المتاجر، وأبواب المنازل، ونقاط العبور، لتنزع عن الشارع طابعه العابر، وتضع أجزاء واسعة من الحياة اليومية تحت مجهر دائم.
وبين الخوف من السرقة، وحاجة الأمن إلى الدليل، ورغبة الأفراد في حماية ممتلكاتهم، خرجت الكاميرا من وظيفتها التقنية الضيقة لتصبح جزءا من علاقة أكثر تعقيدا بين الناس والمدينة والقانون. فلم تعد العدسة مجرد جهاز يسجل ما يقع، بل صارت سلطة نظر؛ تلتقط، وتخزن، وتعيد ترتيب العلاقة بين من يتحرك في الفضاء العام ومن يملك القدرة على مراقبته.
والقرار القضائي الحديث حول كاميرات المراقبة أمام المنازل لا يصنع هذا النقاش من عدم، لكنه يمنحه مدخلا حادا. فمحكمة النقض، وهي تنظر في نزاع بين مالكي فيلا ومكترٍ بالدار البيضاء، لم تتعامل مع الكاميرا باعتبارها مجرد وسيلة لحماية الملك الخاص، بل كأداة لمعالجة معطيات شخصية قد تمس الحياة الخاصة.
كما لم يكن الحاسم في الملف أن الكاميرات لا تصور غرفة المكتري بشكل مباشر، بل أن أصحابها لم يثبتوا أنهم أشعروا المعنيين بوجودها وفق ما يفرضه القانون. وعند هذه النقطة تحديدا، ينتقل النقاش من سؤال تقني حول مكان تثبيت الجهاز إلى سؤال أعمق: من يملك حق النظر إلى الآخرين؟ وبأي حدود؟
ومن هنا ينتقل السؤال إلى طنجة: ما الذي يحدث حين يصبح تصوير المداخل، والواجهات، والأزقة، والمتاجر، والمرائب، والفضاءات المشتركة جزءا عاديا من الحياة اليومية؟ ثم من يحدد الخط الفاصل بين حماية الممتلكات ومراقبة الآخرين؟
عين رسمية وأعين متفرقة
على المستوى الرسمي، تمضي طنجة نحو تعميم أوسع للمراقبة الحضرية. فالمعطيات المعلنة تتحدث عن مشروع لتثبيت 533 كاميرا عالية الجودة، موزعة على 111 نقطة مراقبة استراتيجية، مع شبكة ألياف بصرية وبنية كهربائية وتقنية تمتد على نحو 20 كيلومترا.
وسترتبط الكاميرات بغرفة تحكم مركزية داخل مقر ولاية أمن طنجة، لتشمل نقاطا حيوية بين بني مكادة ومالاباطا والمدينة العتيقة. والرقم هنا ليس تفصيلا عابرا؛ فالأمر لا يتعلق بعدد أجهزة فقط، بل بشبكة قادرة على تتبع مسارات، ورصد حركات، وتوجيه تدخلات، وربط صور بأزمنة وأماكن في مدينة يتضاعف ضغطها المروري والعمراني والسياحي باستمرار.
غير أن طنجة لا تراقَب فقط من خلال كاميرات الدولة. فهناك شبكة أخرى، غير موحدة ولا مركزية، لا تظهر في دفتر تقني واحد، لكنها تقتطع بدورها أجزاء واسعة من المجال اليومي وتحولها إلى صور قابلة للتخزين والاسترجاع.
فالكاميرا العمومية، مهما كانت حساسيتها، تنتمي إلى منظومة رسمية يفترض أن تخضع للمساءلة المؤسساتية. أما الكاميرا الخاصة، فتركب غالبا بقرار فردي؛ إذ إن صاحب متجر يريد مراقبة واجهته، ومالك منزل يبتغي حماية بابه، وسكان عمارة يبحثون عن ضبط مداخلهم، ومقهى يريد حماية صندوقه وتجهيزاته.
وقد تكون النية أمنية صرفة، لكن زاوية التصوير قد تلتقط ما لا يملكه صاحب الكاميرا: وجوه المارة، باب الجار، مدخل شقة، لوحة سيارة، أو حركة شخص لا يعلم أنه صار جزءا من تسجيل خاص.
حين تتجاوز العدسة عتبة الباب
المشكل لا يوجد في الكاميرا وحدها، بل في اتجاهها. فداخل المنزل، تكون الكاميرا امتدادا لحق الحماية. وعند الباب، تبدأ المنطقة الرمادية. أما في مدخل العمارة، فيتحول الأمر إلى شأن مشترك. وحين تُثبت كاميرا فوق واجهة محل تجاري أو منزل وتغطي جزءا من الزقاق، لا يعود السؤال متعلقا بحق المالك في حماية بيته أو متجره، بل بحقه في تصوير كل من يمر أمامه.
والقانون المغربي لا يعادي الكاميرا، لكنه لا يمنحها حقا مفتوحا في النظر. كما أن تدخل اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي في هذا الباب لا يهدف إلى منع الحماية، بل إلى ضبطها: أين تنظر الكاميرا؟ من يستطيع مشاهدة التسجيلات؟ كم تبقى محفوظة؟ هل يعلم الأشخاص المعنيون أنهم مراقبون؟ وهل توجد غاية واضحة ومحددة لهذا التصوير؟
وفي العمارات والأجزاء المشتركة، لا يكفي اتفاق شفهي بين بعض السكان لتشغيل نظام مراقبة. فالأمر يتطلب تصريحا قبليا، وإخبارا واضحا للعموم عبر ملصقات مرئية، وتحديد مسؤول عن المعالجة، مع مدة حفظ لا ينبغي أن تتجاوز ثلاثة أشهر.
وهذه التفاصيل القانونية ليست بيروقراطية زائدة، بل هي الفاصل الدقيق بين كاميرا تحمي وكاميرا تتجسس. فالملصق الذي يخبر الناس بأن المكان مراقب يمثل الحد الأدنى من الشفافية، كما يذكر بأن الصور الملتقطة ليست ملكا خاصا مطلقا، بل معطيات شخصية لها أصحاب وحقوق وحدود استعمال.
الكاميرا كشاهد لا كقاض
لا يمكن إنكار أن كاميرات المراقبة ساعدت في تفكيك قضايا جنائية كثيرة. ففي طنجة كما في غيرها، صارت التسجيلات أول ما تبحث عنه الضابطة القضائية بعد سرقة، أو اعتداء، أو حادثة سير، أو جريمة غامضة. فالكاميرا تمنح المحققين ما قد تعجز عنه الذاكرة البشرية: توقيتا، اتجاها، ملامح، لوحة ترقيم، أو حركة تناقض رواية مشتبه فيه.
لكن الكاميرا ليست حكما قضائيا. فالصورة قد تكشف مسارا ولا تكشف نية، وقد تظهر وجها ولا تثبت فعلا، وقد ترصد وجود شخص في مكان ما دون أن تجيب وحدها عن كل الأسئلة. ولذلك يصبح استعمال التسجيلات خارج البحث القضائي منطقة شديدة الخطورة.
فنشر وجه شخص على مواقع التواصل، أو تداول مقطع من كاميرا متجر، أو تقديم تسجيل مجتزأ باعتباره دليلا قاطعا، قد يحول وسيلة الحماية إلى اعتداء جديد على الحق في الصورة والحياة الخاصة. وعندها لا تعود الكاميرا جزءا من الأمن، بل جزءا من التشهير.
من يراقب من يراقب؟
تبدو طنجة اليوم أمام معادلة دقيقة. فالمدينة تحتاج إلى الكاميرا، لكنها تحتاج أكثر إلى قواعد استعمالها. إذ إن الأمن لا يربح كثيرا من فوضى التسجيلات، كما أن القانون لا يخدم الناس إذا تحول إلى منع أعمى لكل وسيلة حماية.
والمسألة ليست في قبول الكاميرا أو رفضها، بل في ضبط منطقها: أين تنظر؟ من يدخل إلى التسجيلات؟ من يملك حق نسخها؟ متى تسلم للشرطة؟ ومتى يصبح نشرها جريمة لا خدمة عامة؟
فالمدينة التي تكثر فيها الكاميرات ليست بالضرورة مدينة آمنة إذا لم تكن تلك الكاميرات مضبوطة. وقد تصنع فقط مدينة أكثر تصويرا.
وطنجة، وهي تتقدم نحو مراقبة حضرية رسمية أوسع، وتعرف في الوقت نفسه انتشارا متزايدا للكاميرات الخاصة، لا تحتاج إلى شيطنة العدسة، بل إلى إخراجها من العفوية والمزاجية.
ومن ثم، فإن أي جهاز يصور غير صاحبه يجب أن يخضع لأسئلة واضحة: هل يعلم المعنيون بالأمر أنهم تحت المراقبة؟ ما غاية التصوير؟ ما حدود الزاوية؟ أين تحفظ التسجيلات؟ من يشاهدها؟ وكم تبقى محفوظة؟
فالأمن لا يصنعه عدد العدسات المعلقة في الشوارع والمداخل، بل تصنعه الثقة في أن من يملك سلطة المراقبة، فردا كان أو مؤسسة، يخضع هو نفسه لقاعدة.







