في طنجة، المدينة التي لطالما وُصفت بأنها نقطة التقاء الريحَين، عادت الرياح هذه المرّة محمّلة بما هو أكثر من الضجيج المعتاد.
لم تكن المناسبة سوى عيد الفطر، لكنّ ما جرى في شوارعها لم يكن يشبه العيد، ولا حتى العادة. كانت الأزقة تضجّ باحتفالاتٍ صاخبة، مكبرات صوت، رقصات جماعية، منشّطون يتوسّطون الأطفال والنساء في نهارٍ من المفترض أن يكون هادئا، متروّيا، عائليا.
وحدها طنجة تستطيع أن تُحوّل لحظة روحية إلى ساحة مزدحمة بالمعاني المتناقضة، فلا يعود ممكنا التمييز بين التعبير والتمرد، ولا بين الفرح والانفلات.
ما وقع في أحياء شعبية، لم يكن مجرد مظاهر احتفال، بل إعلان عن خلخلةٍ صامتة في المنظومة الاجتماعية. فقبل سنوات، كانت مثل هذه الأحياء تحتضن أسرا ممتدة، تتجمع صباح العيد في بيت الجد، حيث القهوة المرّة وأصوات النساء في المطبخ تسبق صيحات الأطفال وهم يتبادلون “العيدية”.
اليوم، لم يعد الجد هناك، ولم يبق البيت ولا المطبخ. كل شيء تفتّت تحت ضغط الهجرة الداخلية، ضيق السكن، والاقتلاع الاجتماعي. العيد أصبح مناسَبة مُربكة، ثقيلة على من فَقَد المعنى، فكان لا بد من تعويضه بشيء ما: حفلة صغيرة، رقصة سريعة، صوتٌ أعلى من الصمت.
وفي خضمّ هذا التمزّق، خرجت جماعة سياسية لتنظّم مسيرة تضامنية مع غزة. بادرةٌ رمزية، لكنها وُوجهت بهجوم أشدّ رمزية من محسوبين على جماعة أخرى. لم تكن القضية في فلسطين، بل في من له الحق أن يتحدث باسمها في شوارع طنجة.
تحوّل الحيّ، في نهار العيد، إلى ميدان لتصفيات حسابات بين إسلاميين، بعضهم متّهم بتطبيع سياسي، وآخرون يراهنون على ذاكرة الشارع كأداة شرعية. فلم تكن المسيرة سوى فصل آخر في رواية التزاحم على تمثيل الضمير، الضمير نفسه الذي لم يجد مكانا في حفلات المفرقعات والرقص الجماعي.
طنجة، بهذا المعنى، لا تحتفل ولا تعارض، بل تعبّر. تفعل ذلك بما تملك: أزقة ضيّقة، أطفال مشرّدون من عائلات متفكّكة، شباب يبحث عن شيء يشبه الانتماء، نساء في نوافذهن يراقبن ما لا يمكن تفسيره.
المدينة أصبحت مختبرًا مصغّرا لتفاعلات اجتماعية وثقافية وسياسية متراكبة، لا يمكن حصرها في عنوان أو توصيف. فهي لا تتصدّع كليا، ولا تستقر نهائيا، بل تبقى معلّقة بين مشروع كبير يُبنى فوقها، وواقعٍ صغير يتآكل من تحتها.
ولأن الذاكرة قريبة، لا يمكن تجاهل ما تكرر في اكثر من موسم صيف، حين تحوّل الكورنيش إلى مسرح لتحرّش جماعي، طاول فتيات لا ذنب لهن سوى أنهن اخترن التنزه.
كانت تلك لحظة مروّعة، لكنها سرعان ما طُمست خلف البلاغات والاعتقالات السريعة. والآن، ها هي الملامح تعود: الشارع نفسه، الفاعلون أنفسهم، والانفلات ذاته، لكن بلبوسٍ جديد. ما تغير فقط هو المناسبة، أما البنية النفسية والسلوكية، فما تزال قابعة في مكانها، تنتظر من يفهمها، لا من يدينها فقط.
ليست المشكلة في العيد ولا في الحفلات ولا حتى في الشعارات. المشكلة أعمق من ذلك بكثير. إنها في مدينة باتت تشعر بأنها تُدار من فوق، بينما الواقع يتشكّل من تحت، بلا تخطيط، بلا وعي، وبلا حماية.
في مدينة تتقدّم بخطى واثقة في البنية التحتية، لكنها تفقد كل يوم جزءا من بنيتها النفسية والاجتماعية. في طنجة التي تتلألأ في الإعلانات، لكن تغلي في صمت الأحياء الخلفية.
من لا يسمع هذا الصخب، لا يسمع شيئًا.







