والتر هاريس شاهد عصر بوجهة نظر استعمارية “المغرب الذي كان” نموذجا
إعلان على اليمين 160×600
إعلان على اليسار 160×600



الإشهار 2

والتر هاريس شاهد عصر بوجهة نظر استعمارية “المغرب الذي كان” نموذجا

إشهار مابين الصورة والمحتوى

يتناول والتر هاريس فترة مهمة وحاسمة و”غامضة” من التاريخ المغربي، من وجهة نظره كصحفي بريطاني أوروبي مراسل لجريدة التايمز.

طبعا خلفيته القومية والمهنية، جعلته يصف المغرب انطلاقا من كونه ينتمي إلى دولة عظمى تبسط سيطرتها على مناطق شاسعة من العالم، ولها رأيها المعتبر فيما بقي منه. وعلى هذا الأساس فإن كاتب “المغرب الذي كان” ينظر إلى هذا البلد كبلد متخلف يتخبط في “السيبة” وهو يحتاج إلى قوى عظمى “غربية”، “مسيحية”، لتنقذه منن ظلمات الفقر والتقاتل على السلطة والنفوذ والمال.

ربما توفق الكاتب إلى حد كبير في وصف هذا البلد الذي تكالبت عليه القوى الاستعمارية وقاوم بكل قوة، لكن الوضع يحتاج إلى وجهة نظر مقابلة لرؤية الموضوع بشكل شمولي، لأنه مثلا، في الفترة التي يتحدث فيها الكتاب خاصة من بداية القرن العشرين حتى ما بعد منتصف العشرية الثانية، كانت هناك مقاومة كبيرة ومنظمة بشكل كبير في الريف ومناطق جبالة يتزعمها الراحل محمد بن عبد الكريم الخطابي، وكبدت المستعمر الإسباني والفرنسي خسائر فادحة، لم يتحدث عنها المؤلف لا من قريب ولا من بعيد، في الوقت الذي صور القائد مولاي أحمد الريسوني الذي دوخ كل دول الاستعمار من ألمانيا وبريطانيا وأمريكا وحتى اسبانيا وفرنسا، بل وحتى نظام المخزن المتواطئ آنذاك، على أنه قاطع طريق، لا يتردد في قتل العشرات إن لم نقل المئات من أجل المال والسلطة والنفوذ.

نقل الكاتب تفاصيل مهمة من داخل ردهات القصور، ربما تنعدم أو تقل مصادرها، بالنظر لوضعية المغرب الصعبة حينئذ، وهمت أساسا جوانب من حياة السلطان مولاي الحسن والعائلات الحاكمة والمتحكمة التي تؤازره، ثم وفاته أثناء إحدى الحرْكات، وانتقال السلطة إلى نجله الصغير مولاي عبد العزيز، وكذا طريقة إدخال جثته إلى القصر. ثم طريقة عيش السلطان الجديد “الطيب” المترفة و المغرقة في التفاهات والتبذير، والتي أدت إلى انقلاب عليه قاده أخوه “الداهية” المولى حفيظ والذي انتهى بسيطرته على قصر فاس، وبعد ذلك ببضع سنوات بالتنازل عن الحكم، مقابل العديد من الامتيازات والأموال والضمانات.

وقد نبالغ إذا صدقنا تلك الهالة التي أحاط بها الكاتب نفسه، إذ أنه الذكي الألمعي الشجاع، الذي يرجع إليه في حل مشاكل القصور، ويستفتى رأيه من كل القوى الإمبريالية الحاضرة في المغرب. ولو كان كل ذلك صحيحا لتلقى شكرا ومنا من حكومة بلاده التي تجاهلت الأمر، مقابل العديد من الهدايا والتشريفات من السلطات الفرنسية فهل كان عميلا علنيا لفرنسا؟ أم لربما كان عميلا مزدوجا؟

وهو شخص لم يعش حياته الطبيعية بالنظر إلى كثرة تنقلاته وجولاته وعدم نجاحه حتى في الزواج بشكل مستمر، لكنه رغم ذلك استطاع أن يكون غنيا له خمسة بيوت وربما قصور بطنجة، أهمها فيلا هاريس ودار سيدي حسني، مع عدد من العبيد والخدم، واسطبل يضم العشرات من الخيول والبغال… هذا مع العلم أنه –على قوله- لم يكن يتقاضى أية عمولات من حكومة بلاده على مهماته الديبلوماسية!! ربما كانت جل ثروته من هدايا أصدقائه من زعماء القبائل، وهي حتما ليست من أجرته الشهرية كصحفي في جريدة التايمز.

لا ننفي أن تجربة قراءة هذا الكتاب تجربة ممتعة، حتى أن القارئ يتمنى أن لا ينتهي الكتاب، خاصة عند وصفه للدسائس والمؤامرات والمعارك الذي “عاش” تفاصيلها الكاتب، أو عند حديثه عن المخترعات والابتكارات التي كانت تملأ قصور الملوك حديثي السن كالدراجات وآلات التصوير والساعات التي تصدر أصواتا، وأنواع من موديلات اللباس الحديثة،… أو عند حديثه عن التصرفات الصادرة عن حيوانات الملوك النادرة وغير النادرة، كالكبش الذي دفع مديرة السيرك حتى رءاها جميع الحاضرين، أو الفهود التي تتجول بين الضيوف، أو الفيل الذي تاه في الطريق وتعرض لهجوم بعض سكان القبائل، وبعد ذلك سقوطه وطريقة توقيفه، أو الببغاوات الناطقة التي كانت تسلم على الملوك !!

وفي خلاصة حديثه عن المدن، يمكن القول إن فاس المدينة العلمية ومنها يقام نظام الحكم والسلطنة، رغم وجود عواصم أخرى كمراكش والرباط، أن مدينة شفشاون كانت مجندة بشكل كلي لمنع دخول النصارى، ورمما لذلك حافظت لعقود على طابعها المحافظ، أن مدينة مراكش كانت عاصمة احتياطية جنوبية بعيدة عن الصراعات السياسية للعائلات الفاسية، أن مدينة طنجة كانت هي المدينة التي تجمع الكل حولها بل داخلها، كيفما كان لونه ودينه وولاءه.

وفي النهاية لا يبقى لنا إلا شكر الكاتب حسن الزكري، الذي نقل لنا بلغة عربية جميلة وسلسة ترجمة الكتاب مضيفا إليه بعض الفقرات المساعدة على فهمه، كسيرة المؤلف الذاتية ورحلته إلى شفشاون، مع بعض الملاحظات البسيطة، نذكر منها مثلا، حينما تحدث هاريس عن الإسلام وقال: “إن الديانة التي أنشأها محمد” (نقول صلى الله عليه وسلم) كان يمكن ترجمتها إلى “جاء بها محمد” مع الإشارة إلي ما جاء في الأصل في هامش الصفحة.


الإشهار بعد النص
شاهد أيضا
عداد الزوار