يشكو منتجو الزيتون في قرى منطقة الشمال من صعوبة العثور على عمال لجني محصول يتوقعونه وفيرا هذا الموسم، في مشكلة تتجاوز الظروف الموسمية إلى التحولات السكانية في المناطق الفلاحية التقليدية، إذ فقدت ثلاثة من أبرز أقاليم إنتاج الزيتون نحو 110 آلاف من سكانها القرويين خلال عشر سنوات.
وتظهر بيانات المندوبية السامية للتخطيط والمديرية الجهوية للفلاحة أن أقاليم وزان وشفشاون والحسيمة، التي تستحوذ على أكثر من 71 في المائة من مساحات الزيتون في جهة طنجة تطوان الحسيمة، سجلت تراجعا ملحوظا في ساكنتها القروية بين عامي 2014 و2024.
وانخفض عدد سكان الوسط القروي في شفشاون من 400 ألف و7 أشخاص إلى 350 ألفا و81 شخصا، بتراجع بلغ 49 ألفا و926 شخصا.
وفي إقليم وزان، انخفض العدد من 230 ألفا و398 إلى 200 ألف و51 شخصا، أي بفارق 30 ألفا و347 شخصا. أما الحسيمة فتراجعت ساكنتها القروية بنحو 29 ألفا و735 شخصا.
وبذلك بلغ مجموع ما فقدته الأقاليم الثلاثة 110 آلاف و8 أشخاص، فيما يظل النشاط الفلاحي أحد أبرز مصادر التشغيل والدخل فيها.
وبحسب بيانات المديرية الجهوية للفلاحة للموسم 2023-2024، تمتد أشجار الزيتون في وزان على 62 ألفا و800 هكتار، وفي شفشاون على 55 ألفا و800 هكتار، وفي الحسيمة على 14 ألفا و900 هكتار. ويبلغ مجموعها 133 ألفا و500 هكتار من أصل نحو 186 ألفا و900 هكتار على مستوى الجهة.
وأوضحت المندوبية أن قطاع الفلاحة والغابات والصيد استوعب 79,3 في المائة من السكان النشيطين المشتغلين بالوسط القروي في الجهة سنة 2024.
لكن هيمنة النشاط الفلاحي على التشغيل لا تعني بالضرورة توفر عدد كاف من العمال في فترة الجني، بالنظر إلى توزع الأعمال الزراعية على مدار السنة، والتزام جزء من اليد العاملة بأنشطة أخرى أو بالعمل داخل الاستغلاليات العائلية.
كما أن المؤشرات السكانية وحدها لا تثبت علاقة سببية مباشرة مع نقص عمال الجني، وإن كشفت عن تقلص القاعدة السكانية في مناطق تعتمد على الزراعة.
وتثير شكاوى المنتجين مسألة تنظيم العمل الموسمي، وقدرة الاستغلاليات الصغيرة على استقطاب العمال في مواجهة أنشطة فلاحية توفر فترات تشغيل أطول.
كما تطرح تكاليف التنقل والإقامة والأجور تساؤلات بشأن جاذبية العمل في حقول الزيتون مقارنة بقطاعات أخرى.
وتنعكس ندرة اليد العاملة على كلفة الإنتاج والعائد المالي للمزارع. فكل زيادة في أجور الجني ترفع كلفة الكيلوغرام، لكن حجم الأثر يرتبط أساسا بكمية الثمار التي يجمعها العامل في اليوم، وليس بالأجر وحده. فإذا بلغت كلفة تشغيل فريق للجني 2000 درهم، فإن جمع طن واحد يجعل كلفة اليد العاملة درهمين للكيلوغرام، بينما ترتفع إلى 4 دراهم إذا لم تتجاوز الكمية نصف طن.
ويتضاعف الأثر في الحقول ذات الأشجار الكبيرة أو التضاريس الصعبة، وعلى صغار المنتجين الذين لا يملكون تجهيزات خاصة ويضطرون إلى استئجار المعدات أو التعاقد مع فرق من خارج مناطقهم. وقد يفرض تعذر توفير العمال تأخير الجني، ما يضع المنتج أمام خيار الانتظار أو تحمل كلفة إضافية لتسريع العملية، مع ما لتوقيت الجمع من تأثير على جودة الزيت.
وفي ما يتعلق بالمكننة، أدرجت وكالة التنمية الفلاحية خدمات الجني الميكانيكي ضمن مجالات الاستثمار الممكنة في الجهة، وشجعت المقاولات التي تقدم خدمات الأشغال الفلاحية الميكانيكية واليدوية وكراء معدات الجني، ما يتيح نظريا للمنتجين الاستفادة منها دون اقتنائها.
غير أن ملاءمة هذه الحلول للاستغلاليات التقليدية تظل رهينة بطبيعة الأشجار وكثافتها وتضاريس الحقول، وبكلفة الاستئجار ومدى توفر مقدمي الخدمات قرب مناطق الإنتاج. ويمكن للتعاونيات والتنظيمات المهنية أن تضطلع بدور في تجميع الطلب وتنظيم العمليات بين الاستغلاليات المتجاورة لتوزيع النفقات. ويتطلب قياس أثر هذه البدائل بيانات عن عدد المعدات المتوفرة فعليا ونسبة الاستغلاليات التي تعتمد الجني الميكانيكي والكلفة المقارنة بين الأسلوبين.
وعلى مستوى الجهة، ارتفع عدد السكان من 3,56 ملايين نسمة إلى أكثر من 4 ملايين بين 2014 و2024، بينما انخفض عدد سكانها القرويين بنحو 33 ألفا و600 شخص، مقابل زيادة تجاوزت نصف مليون شخص في الوسط الحضري.
ويبقى تحديد حجم النقص الفعلي في عمال الجني خلال موسم 2026-2027 رهينا بتوفر بيانات ميدانية حديثة عن الاحتياجات والأجور اليومية وكميات المحصول، إضافة إلى حصيلة الإنتاج الرسمية التي لم تتضح بعد على المستوى الجهوي.







