يوم في طنجة.. على خطى “ابن بطوطة” و “أحمد بوكماخ”
إعلان على اليمين 160×600
إعلان على اليسار 160×600
تحت اللوغو

الإشهار 2

يوم في طنجة.. على خطى “ابن بطوطة” و “أحمد بوكماخ”

إشهار مابين الصورة والمحتوى

(أَوَّلاً) بعد وصولي بحمد الله و زوجتي سالِمَيْنِ غانِمَيْنِ إلى منزل أقاربي بالإقامة الجميلة لتجزئة “رياض السلام” المحادية لـ”المدينة الرياضية” مدخل “طنجة” من اتجاه “الرباط” قادِمَيْنِ من “الدار البيضاء”، و بعد قضاء ليلة مريحة تلاشت فيها أتعاب السفر و انمحت، أتيحت لي الفرصة أخيرا في يوم الغد، و كان يوم أربعاء، لتخطيط مسار تجوال سياحي كنت أحلم بإنجازه منذ سنوات: زيارة معالم المدينة، أو بعض معالمها، على الأقدام، في يوم واحد، و إن كان في نصف يوم كما سيتحقق بإذن الله.

كان عَلَيَّ، قبل كل شيء، أن أجعل جولتي المرتقبة “شعبية” ما أمكن على مستوى التنقل، لكن مع اعتبار العامل الزمني: إذ الوقت الآن زوال و أنا لم أتحرك بعد!

تخليت، لحل المعادلة الطارئة، و أنا سعيد لذلك كأني فائز على خصم عنيد، عن سيارتي المركنة أسفل الإقامة، و اخترت “الاقتراب” من مداري المرسومة معالمه في مخيلتي إلى أقصى ما يمكن الاقتراب عبر الحافلة العمومية المعروفة عندنا نحن “البيضاويين” بـ”الطُّوبِيسْ” و عند مضيفي “الطنجاويين” (و”الشماليين” بصفة عامة) بـ”الطّْرُومْبِيَّة”.

(ثانِياً) لم آخذ الحافلة مباشرة من الجهة المقابلة لِـ”رياض السلام” و محطة الوقود “بيتروم” بفضائها الرائع “مقهى و مطعم ابن بطوطة”(1) رغم أن هناك محطة حافلات تبدو لي رأي العين، و ذلك لأنها كانت خالية من ركاب مرتقبين، و الحال أني كنت بحاجة إلى استفسار شفهي قبلي مع شخص ما حول رقم الحافلة التي يتعين علي امتطاؤها، ناهيك عن السؤال عن المحطة التي ينبغي أن أنزل فيها.

و هكذا قررت أن آخذ الحافلة من المحطة الموالية المتواجدة على بعد حوالي أقل من نصف كيلومتر بالمجمع السكني المسمى: “الْمُجَمَّع الْحَسَني”، و المعروف عند الأهالي اختصارا بِـ”الْمُجَمَّع”.

كانت محطة “المجمع بالأحرى “تَجَمُّعاً” لتوقف عدد من الخطوط، و بمحاداتها مباشرة محطة سيارات الأجرة الكبيرة، و كنت أجد فيها دوما عند زِيارَتَيَّ الأخيرتين إلى المنطقة رواجا بشريا و تَسَوُّقِيّاً ملفتا للأنظار.

قصدت محطة المجمع إذن و أنا على الجانب الأيسر من الطريق شبه السريع المعروف بـ”طريق الرباط”، وسط الفضاء الأخضر الجميل للمرافق الرياضية المحيطة بـ”الملعب الكبير لطنجة” و ملحقه، و منها القاعة المغطاة على الربوة، و التجهيزات الرياضية الخشبية العمومية المغروسة و المثبتة هنا و هناك رهن إشارة “المتريضين” و “المتريضات” الراغبين في التمرن و الحفاظ على اللياقة البدنية.

و أنا في هذا المكان الرحب الخصيب، اِلْتَقَطْتُ لي صورة تذكارية بالتقنية الشبابية “السِّلْفِي”، و كنت أرتدي جلبابا صوفيا مناسبا للطقس الخريفي الطنجي المتسم عموما بالتقلب المفاجئ بين التَّغَيُّم و التساقطات و الانفراجات المشمسة، و أنتعل “شِبْشِباً” عصريا أسود من ما يُعْرَفُ الآن بـ”الصَّابُو” تيسيرا لما ينتظرني من مشي على الأقدام؛ ثم عزمت على سؤال أول من أصادف من المارة عن مقصدي، آملا بالطبع أن يكون من الأهالي، لا من الزوار، حتى يرشدني في ما أنوي القيام به، بدقة و استفاضة مرجوة.

(ثالِثاً) كان حظي من أول مارٍّ شحيحا، إذ وجدت الرجل الذي كان في مثل سني يختصر في الإجابة اختصارا و إن بمنتهى الأدب و اللياقة، و ختم اقتضابه بأن نصحني بالسؤال مجددا لدى شخص آخر، كل ذلك و أنا أشك في لكنة السِّتِّينِيِّ المؤدب “المغاربية” لا “المغربية” شَكّاً سيبدده اليقين عند آخر كلمة فاه بها و هو يعقب على شكري إياه و إن لم يفدني كثيرا، لقد قالها و هو يُجَمِّعُ حروفها القليلة تجميعا سريعا مع ترقيق حرف الراء ترقيقا: “مَرْحْبَا”…

كان الرجل “تونسيا” بدون أدنى شك…

قررت عندها الاحتفاظ بسؤالي إلى حين الوصول إلى محطة “المجمع”، فهنا جَمْعٌ يفي بالغرض و لا ريب.

في المحطة تناوبَ على إرشادي شابان أخذتُ نصف المبتغى من الأول قبل أن يُباغَثَ بوصول حافلته و أكمل الثاني النصف المتبقى، فاطمأننت أخيرا، و وقفتُ أنتظر الحافلة رقم 9 A وقوف المتمكن من وجهته و كأنني “طَنْجَاوِيٌّ” قُحٌّ، سيما أن جلبابي المُخَطَّطَ “مُتَأَقْلِم”ٌ تماما مع لباس الأهالي المحليين في مثل سني و ما فوق كما سيبوح لي صديق أريب ظريف و هو يضطلع على صورة سألتقطها فيما بعد بـ”سُورْ لْمْعَاكِيزْ”!

(رابِعاً) ركبت الحافلة، أنا الذي أجتنبها عادة و منذ سنوات خلت في “الدار البيضاء” اجتناب العارف بخطورة الأمر؛ و كم سعدت، و إن لم أجد مقعدا خاليا، بمستوى تَحَضُّرِ و كياسة الذكور و هم يُوثِرونَ الإناث بترك أي مقعد يخلو لتملأه إحداهن، كما سعدت و أنا أعاين “تنازل” الجالسين من الشبان أو “الْمُتَكَهِّلينَ” ذكورا و إناثا لمن هم أكبر منهم سنا، و قد عرضت علي هذا إحدى الْمُتَكَهِّلاتِ فرفضتُ بدِبْلوماسِيَّةٍ متدرعا بكون المقعد المقترح عَلَيَّ عكسي الاتجاه و سأصاب بدوار إن قبلت، داعيا بدوري إحدى السيدات للجلوس عوضي و قد نال مني نبل الفعل الجمعي هذا ما نال!

لم أُفاجَأ في الحقيقة بالأمر لأني أعرف ذلك عن سكان شمال المملكة منذ أن قضيتُ في مدينة “تطوان” عاما كاملا و أنا طالب في “مركز تكوين المعلمين” بحي “الطّْوِيلَعْ” (المعروف أيضا عند التطوانيين بـ”الطّْوَابَلْ”) موسم 1980/1981، و يُحْسَبُ لهم إلى الآن أيضا احترام سائقيهم للراجلين!

(خامِساً) نزلت في المحطة ما قبل نهاية الخط، عند المنطقة المعروفة بـ”إِيبِيرْيَا”، و كان الوقت ظهرا و المصلون يغادرون المسجد المحادي للمحطة، “مسجد محمد الخامس”، فدلفت مسرعا لأصلي الظهر و العصر جمعا و قصرا بحكم المسافر المعتزم الإقامة في البلد ثلاثة أيام، و بعد استفسار شخص بعد الصلاة عن وجهتي المقبلة عرجت يمينا قاصدا “سور لمعاكيز” و أنا أستمتع بجمالية محيط و جنبات ذاك الجامع و بوابة “المجلس العلمي المحلي” و الحديقة المستطيلة الشكل في اتجاه البحر.

شدَّني، و أنا “أتلذذ” بإنجاز “سِلْفِياتٍ” بدون حدود في هذا الركن الرائق، منظر بالجانب الآخر للشارع المفضي إلى السور، هو الجزء العلوي من بناء تزاوجت فيه قبة من طراز الفن الإسلامي و صومعة على النمط الكَنَسِيِّ، فأشبعتهما تصويرا!

(سادِساً) وجدت “سور لمعاكيز” خاليا من “جلسائه” إلا ما كان من بضع سياح “داخليين” أغلبهم شبان، من الجنسين، يبدو جليا على “ثنائياتهم” أنهم إما عرسان أو عشاق.

تساءلت حينها بيني و بين نفسي:

“أين الشيوخ المعاكيز (بالطنجوية) و المعكازين (بلهجة الداخل)؟!…

أليس من المفروض أن يكونوا هنا، جالسين عل طول السور القصير الشهير بدون شغل و لا مشغلة؟!…”

أخذتُ لي صورة و أنا أقف جنب أقرب مدفع أثري جاعلا المنظر البحري خلفية، لكن الصورة لم ترقني حين عاينتها، و سرعان ما تبينتُ السبب:

“يا لَغَبائي… كيف تستقيم صورة في سور لمعاكيز وقوفا؟!…”

نعم: كان علي أن “أجلس”: فلا علاقة بين الوقوف و “العكز”، و كل الصلة و الانسجام و التناغم بين الجلوس من جهة، و “العكز” و “العكزانية” من جهة ثانية!

و هكذا اكتملت الصورة: ستيني (و نيف)، متقاعد و متفرغ، بجلباب صوفي من ما يلبس الأهالي، و سور قصير لا يتطلب منك سوى ثني الركبتين ثنيا خفيفا قبل أن يتهاوى باقي بدنك، و ها أنت في عِداد المعاكيز المبجلين في هذا المكان الذي سمي باسمهم!

(سابِعاً) باسترشاد، هذه المرة، لدى مُسِنَّيْنِ من المارة، قصدت عن يميني، و البحر من ورائي، الساحة العامرة لـ”السُّوقْ دْ بَرَّا”، و التقطت فيها صورة بخلفية النافورة (/”الْخُصَّة”) و المئذنة الملونة، و أخرى و أنا أتناول طبق “بيصارة” بإحدى المطاعم الشعبية هناك، واعدا نفسي في الزيارة القادمة بحول الله بتناول طبق “الشّْطُونْ”(2) المتراصة “طُوَيْجِناتُهُ” المغرية أمامي، و هو الطبق الذي كنا “نفرح” و نستبشر و نسعد، نحن الطلبة المعلمون، يوم يُقَدَّمُ لنا مطلع ثمانينيات القرن الماضي في مطعم “داخلية” مركز تكوين المعلمين بتطوان!

عند “بابْ الْفَحْصْ”، اعترضتُ سبيل شاب وسيم برفقة فتاة جميلة طالبا منه أن يلتقط لي صورة بخلفية القوس. كانت تلك “خطتي” و “تقنيتي” عندما أرغب في أن آخذ لي صورة بتصوير من غيري دون الخوف من أن يباغثني المصور بإطلاق العنان لرجليه و هاتفي المحمول في يده: “أتصيد” دوما عشيقين “نَقِيَّيْنِ”، و أطلب المراد من العاشق الولهان و كلي ثقة في كونه لن يجرؤ أبدا على مثل هذه “الفعلة” أمام حبيبته الغالية!

عبر الباب  ولجت الزقاق الضيق المتصاعد قاصدا “ضريح ابن بطوطة” في اتجاه “الْقَصْبَة”، المعروفة أيضا بِـ”قصبة مولاي إسماعيل”. و كعادتي، و سعيا مني في الاستيقان أكثر من مسار أجهل كل “مساربه”، استعنتُ بأول من صادفته، فإذا به شاب في الثلاثينيات سيصطحبني مُصِرّاً إلى الضريح و ما بعده بحجة كونه غادر للتو عمله حيث يشتغل إطارا في مصالح الموارد البشرية لإحدى شركات النسيج بالمدينة، و أن الدرب الذي نحن فيه هو بالضبط محل سكنه، و أنه متفرغ من أي التزام، فما وسعني بعد هذه “الدفوعات” التلقائية الطيبة الودود إلا أن قبلت صحبته، و اطمأننت أكثر عندما بدأ يوزع التحية يمينا و شمالا على هذا و ذاك من أترابه المشائين أو المتحلقين في زوايا الزقاق، ثم إذا بي أكتشف في الرجل “جانبية” مرشد سياحي بميزة “مشرف جدا”!

سألت مرشدي السياحي التطوعي عن اسمه فقال: “محمد الْمُحَمَّدِيّ”، فلم أَدْرِ لماذا أتاني، قبل أن يرتد إلي طرفي، الذِّكْرُ الطيب لِـ”المسجد المحمدي” بحي “الأحباس” (/”الْحُبُوسْ”) بالدار البيضاء(3)، و هما المسجد و الحي اللذان أعشقهما عشق الحبيب المتيَّم الذي يتحين الفرص للصلاة و معاينة المعمار الرائع ذي الطابع “الأندلسي المغربي” في الأول، و التجول و “التسكع التَّسَوُّقِيِّ و الثقافي” في الثاني(4)!

استسلمت بيسر إذن لتداعيات “العبق التراثي” في اسم الشاب و ذكرى “الأحباس” معا، و أنا سعيد مُشْبَعُ الوجدان بشكر المولى عز و جل على طيب الانتماء لهذا الوطن الموغل في الأزمان…

ثم، ألست أنا، هنا و الآن، بين جنبات هذا الزقاق الضيق الملتوي، في عز “عبق” التاريخ و أريجه الفواح؟!

(ثامِناً) مازال ضريح “شيخ الرحالة العالميين” كما تركته في آخر زيارة لي للمكان منذ ستة عشر عاما في إطار رحلة استطلاعية ثقافية مع جمعيتي للرحلات التي تحمل اسم نفس الْعَلَم، “جمعية ابن بطوطة للثقافة السياحية”(5): البناء المقام على ارتكاز انحداري يكاد يكون في قياس رفات دفينه، محاط كما عهدته بالدور القديمة حد “الخنق” إلا ما كان من فرجة المرور بالزقاق.

باب الضريح، الجانبي، مغلق كالعادة، و لولا اللوحة التذكارية المثبتة أعلى يمين واجهة المبنى و النتوء المحرابي في الوسط لما عرف أحد أن ما أمامه قبر و “ضريح”!

دعوت لِـ”اللَّواتِيِّ”(6) جهرا بما تيسر من الأدعية، و دليلي السياحي بقربي يُؤَمِّنُ بعد كل واحدة منها جهرا أيضا، و أكملنا المسير صاعِدَيْنِ في اتجاه ساحة “القصبة”.

(تاسِعاً) استودعتُ رفيقي المرشد المتطوع عند الساحة الْمُبَلَّطَةِ بِالْمُرَصَّفاتِ المربعة الشكل (“Les pavés”) بساحة “القصبة”، ممتنا شاكرا، و عاينت بتؤدة جمالية المكان، لكن في حيرة من أمري: إذ لا علاقة بفضاء الساحة و مدخل المتحف أمامي و الإطلالة البانورامية على البحر و الزقاق الآخر الذي على اليمين المفضي في انحداره إلى “المارينا” بما عاينته في آخر زيارة لي هنا صحبة رواد “جمعية ابن بطوطة”!… فالمكان غير المكان، و إن كان هو نفسه؟!

سأجد جوابا لتساؤلي في متم زيارتي للمتحف و حدائقه، لا جواب آخر عندي غيره، و إن لم أستبين الأمر في عين المكان لدى عارف:

حين زرت القصبة ضمن الرحلة المنظمة مع جمعيتي حطت بنا الحافلة السياحية في الجانب الآخر من القصبة، الجانب الخلفي الآن بعدما كان الأمامي، و هكذا انعكست المواقع ففُتِحَ الفضاء للزوار و المرتادين من الواجهة البحرية و أُغْلِقَتِ الواجهة الأخرى (الغربية).

التقطتُ لنفسي ما يكفي من الصور في الساحة الرئيسية الآن للقصبة، قبل أن ألج المتحف، مارّاً بالواجهة البهية لـ”شبه دكان” بألوان زاهية مُرْجِئاً زيارته هو الآخر رغم جاذبية أنغام العود المنبعثة منه إلى حين إكمال جولتي المتحفية، مقتنصا صورة إضافية للمئذنة الثُّمانِيَّةِ لـ”مسجد القصبة”(7) الجميلة فوق زاوية ملتقى بناية المتحف و بناية “الدكان”، و إن كان باب المسجد خلف البنايتين في الامتداد الغربي لزقاق الضريح.

(عاشِراً) “متحف القصبة”(8)، أو “متحف الثقافات المتوسطية”(9)، و المعروف أيضا تداولا بِـ”متحف قصبة مولاي إسماعيل” غني بمحتوياته المرتبة بدقة و عناية، بهية مرافقه و فضاءاته، تحس داخله بالسكينة اللازمة في كل تجول متحفي مفيد مثمر و ممتع، ناهيك عن الأمان المتجسد في حضور وازن لأفراد من الأمن الخاص في كل مرفق و جانب و ممر.

انطبعت جولتي منذ بدايتها بطابع جد إيجابي، انطلاقا من حسن الاحتفاء بي من لدن موظف الاستقبال الذي أبان، بعد تبادل تعارفي قصير بيننا، عن تقديره الكبير لفئة رجال و نساء التعليم، فما كان مني عندها إلا أن وطدت التعارف أكثر مع هذا الشاب الذي كانت كلماته الطيبة في حق الشغيلة التعليمية “ذهبية” تماما كلقبه، و تبادلت مع “عبد الرحيم المذهب” الهوية و أرقام الهواتف، مُوَثِّقَيْنِ معا اللحظة بصورة أمام مكتب الاستقبال.

لمست للتو، و أنا أعاين محتويات المتحف، تَنَوُّعَها و كثرتها و غناها و قيمتها:

فعلى مستوى المحاور يجد الزائر من المعروضات ما يجسد مراسيم الدفن و الطقوس الجنائزية القديمة، و تحول ساكني المنطقة من الصيد و الالتقاط إلى الاستقرار و الإنتاج، و أنواع و طبيعة المبادلات و التجارة…

أما الخط الزمني ففي امتداد غطى العصور الحجرية و ما بعدها إلى ما قبل الرومان فالرَّوْمَنَة فالعصر الروماني، ثم الدول المتعاقبة على حكم المغرب منذ الفتح الإسلامي، مرورا بفترة الاحتلال البرتغالي.(10)

و أما مصادر المعروضات و أماكن التنقيب فشملت المواقع الأثرية في طنجة و ضواحيها، كمقبرة مرشان، و معامل الأقواس، و موقع زِلْيا، و بوخشاش، و مغارات الخيل، و موقع القصر الصغير.

و أما المعروضات فخرائط حائطية و فسيفساءات و جداريات، و تماثيل و أقنعة طينية و أكاليل، و مومياءات و قبور برفاتها، و قدور و جرار فخارية و صخريات، و أسلحة و نقود معدنية، و مصنوعات خشبية و تحف أرابيسك و أبواب و نوافذ و صناديق و أقفال، و مخطوطات و مصاحف، و نقيشات و إفريزات و قطع زليج و رخام، و أوان خزفية  و قناديل و صحون و رقائق، و حلي و أقراط و قلائد و خواتم و تميمات، و أزرار و دبابيس…

بعد طواف الزائر على ما ذكر يفضي به المسار المرسوم بدقة عبر بطاقات التشوير إلى الحديقة الأثرية هي الأخرى بفعل قدم الأسوار و الأبراج المحيطة بها من جهة، و تواجد مدفع معدني هنا و آخر هناك.(11)

(حادي عشر) علي الآن، قبل استئناف جولتي ما بعد المتحفية، أن “أستطلع” أمر هذا “الدكان” الْمُزَيَّنِ بأزهى الألوان و الْمُرْسِلِ نغماتٍ مُطْرِبَةٍ، بجوار مدخل المتحف، فإن “فضولي السياحي” ألح علي إلحاح “الضرورة” و لم يَدَعْ لي مجالا لـ”الانعتاق”!

وقفت بالباب فإذا المحل غرفة واحدة مستطيلة الشكل، أو قُلْ: “صالون” يسع نحو عشرين شخصا جالسين، مؤثث تأثيثا مغربيا خالصا، الجدران مغطى نصفها السفلي بـ”الْحَيْطي”(12) ذي الألوان الوطنية الأحمر و الأخضر، أما النصف العلوي من الجدران فمزينة جدرانه بأنواع من الآلات الموسيقية كالعود و الناي و “لوتار” و الربابة، و عُلِّقَتْ هنا و هناك صور لفرق موسيقية  و أعلام عزف من المدينة، و السقف خشبي من النوع القديم المعروف بـ”الْكايْزَة”.

 

وجدت أمامي توا، و أنا أضع رجلي اليمنى على العتبة، رجلا بلباس مغربي يُعْرَفُ عند ممارسي فَنَّيِ “أَقْلَّالْ” و “الرُّكْبَة” في مناطق “زاكورة” بـ”الْقْمِيصْ” و في مناطق المغرب الوسطى بـ”التّْشاميرْ”، لونه أحمر قان؛ و كان الرجل يحضن عودا يوقع على أوتاره نفس الأنغام المنبعثة إلى الخارج عبر جهاز صِواتة لم أتبين موضع علبة تشغيله و لا مكبرات الصوت المتصلة به.

دار بيننا، بعد السلام و رده و تلبية إماءة بالجلوس، حوار لم تتوقف خلاله أنامل الْمُحاوَرِ عن العزف الجميل و الشجي، فعرفت من حديثه غير العابئ بالتركيز على العزف حتى لا تنفلت نغمة نشاز و إلا التوقف عن العزف حين الكلام، أنني بمقر “نادي أبناء البوغاز للموسيقى الأندلسية و العربية”، و أن النادي يوفر للزوار المحتملين (الراغبين في ذلك) خدمة تقديم كؤوس الشاي مع تشنيف أسماعهم بألحان و مقطوعات عربية و أندلسية مقابل ثمن رمزي.

أُعْجِبْتُ بالفكرة، و أنصتُّ قليلا لعزف الرجل البارع قبل التعرف على اسمه الموسم هو الآخر بعمق الانتماء “الصنهاجي”، إذ قبيلة “صنهاجة”، كما هو معلوم، من قبائل المغربية المُؤَسِّسَة.

استأذنتُ الفنان “الصنهاجي” في التقاط صور لنا معا و للمحل قبل الانصراف فقَبِلَ و استمر في العزف و أنا أغادر المكان مصطحبا في سمعي ما يطرب من المقامات العربية!

(ثاني عشر) للوصول إلى وجهتي الموالية، مقهى “الحافة”، كان لابد أن أسلك زقاقا آخر في اتجاه الغرب سيفضي بي إلى فضاء “مَرْشانْ” حيث كان يوجد ملعب طنجة الشهير “ملعب مرشان” أمام القصر الملكي العامر المعروف أيضا بنفس الاسم: “قصر مرشان”.

اندثر الملعب، لكن فضاءه مازال مخصصا للتريض الحر لصالح الأفراد و الجماعات، إذ لم تبتلعه وحوش العقارات و الإسمنت كما حصل في الكثير من مدن بلادي.

أخذت لي استراحة قصيرة في مقهى فسيح بعين المكان، يحمل هو الآخر نفس الاسم، نُثِرَتْ كراسيه و موائده في الهواء الطلق تحت الأشجار، فاحتسيت فنجان قهوة قبل استئناف المسير.

(ثالث عشر) و ها أنذا أصل بحمد الله ومَنِّهِ و فضله إلى آخر وجهة في مسار جولتي المرسومة بدقة في بالي منذ بدايتها…

لا يُنْبِئُكَ مدخل “مقهى الحافة” نهائيا عن جمالية ما سترى بعد استدارة أو استدارتين:

المقهى عمودي الشكل مُنْحَدِرُهُ، و ماء البحر كأنه تحت رجليك تماما إذ تكاد لا ترى طريق الكورنيش الفاصل بين “الجرف” و البحر، و إسبانيا و جبل طارق أمامك رأي العين!

المنظر رائع حقا و فاتن و مغر بالجلوس و الإطلالة وقوفا أيضا مع المكوث لأطول وقت ممكن!

احترت في أن ألتقط لي و للمكان صورا جالسا عند إحدى موائد المقهى المثبتة عن طريق البناء بالإسمنت أو واقفا، فأنجزتُ المطلوب جالسا و واقفا معا.

تُحْمَلُ كؤوس الشاي الْمُهَيَّأِ على الطريقة الشمالية للزبائن في المقهى على حامل حديدي خاص يسع اثني عشر كوبا مرة واحدة. تذكرت، مع أولى الرشفات، فضاء “الاوداية” بالرباط و تشابه الخدمة و إن كان النادلان هنا شابين لا يرتديان لباسا تقليديا يُكْمِلُ المنظور.

(رابع عشر) تركت مقهى الحافة و في وجداني الكثير من الشوق إلى الرجوع، و كان الوقت آخر الأصيل مُعْلِماً بقروب المغيب، فأشرت إلى أول سيارة أجرة لتنقلني إلى حي “إيبيريا” قصد العودة عن قصد، كما بدأت، على متن الحافلة رقم 9 A قاصدا المدينة الرياضية حيث الإقامة، و قد ارتوت النفس رُواءً بعبق تاريخ طنجة، و معالم طنجة، و سحر طنجة!…

 

 

 

هوامش:

(1) منتجع فسيح ممتد على نحو هكتار و نيف. في الطابق الأرضي مقصف رئيسي فسيح، و قاعة “شرفية” في الداخل فخمة و بتأثيث فاخر، و سقيفة في الوسط طَلْقَةِ الهواء، و قاعة ألعاب واسعة رحبة مغطاة خاصة بالأطفال مجهزة بوسائل التريض و التسلية، محروسة، و تقدم فيها خدمة تنشيط الصغار من لدن “بهلوان” محترف.

لكن أجمل مرافق المكان عندي اثنان: فضاء الهواء الطلق بالحديقة الجانبية المعشوشبة حيث تكون الجلسة ممتعة أماسي الصيف؛ و القاعة الْمَشْرَفِيَّةُ (فوق القاعة الرئيسية) حيث يحلو للمرتادين الجلوس و هم يتأملون التل المواجه الذي تخترقه الطريق المؤدية إلى المحطة الطرقية الجديدة، و بين الفينة و الأخرى يتملون بمنظر الطائرات و هي تخفض علوها و سرعتها  قاصدة أرضية “مطار ابن بطوطة” في منطقة “بوخالف”، و هي المنطقة التي كان المطار يحمل اسمها سابقا.

من مميزات “مقهى و مطعم ابن بطوطة” أن المشروبات، و المأكولات على السواء، تقدم للزبائن في أي فضاء شاؤوا من الفضاءات المذكورة حسب رغباتهم؛ و من الأطباق النوعية المفضلة لدي هناك: “الْبَغْرِيرْ” بـ”أَمْلُو” مُرْفَقٌ بقِطَعٍ من الموز و شيء من جبن المنطقة (جبن الماعز).

(2) طبق شمالي بامتياز، شهي و لذيذ، شعبي رخيص الثمن، مكونه الرئيسي السمك المعروف في المناطق المغربية الأخرى بِـ”لَانْشُوبَا”، أو “لَانْشْوَا” (les anchois) و هو سمك أصغر حجما من السردين.

(3) حي أثري جميل يتوسط مدينة الدار البيضاء، به القصر الملكي العامر، و مرافق عمالة المشور سابقا و التي أصبحت الآن مقرا “لجهة الدار البيضاء سطات” و المحكمة التي أضحت حاليا “محكمة إدارية”، و يتميز بمعماره المغربي الأصيل الذي ينهل من روائع فن البناء الإسلامي، سواء على مستوى القباب و الأبراج و الجدران، أو الأبواب و النوافذ و نوعية الخشب الثمين و السميك الذي صنعت منه، و يمتد هذا النمط العمراني المتفرد إلى المنازل القديمة المحيطة بالفضاءات المذكورة في اتجاه الجنوب إلى معلمة “المسجد المحمدي” الرائعة، و شرقا إلى “المسجد اليوسفي” الذي لا يقل عن الأول بهاء.

(4) تصطف عل جنبات “المسجد اليوسفي” دكاكين قديمة لبيع أصناف الألبسة المغربية و العطور و التحف المعدنية و النفيس من منتجات الصناعة التقليدية الوطنية، و يضم الامتداد الغربي لمركز الحي أكبر تجمع للمكتبات و دور النشر في المغرب.

(5) تأسست الجمعية سنة 1986، يوجد مقرها بدار الشباب الحي المحمدي بالدار البيضاء، يرأسها الفاعل الجمعوي “الحاج المصطفى أسخور” و أشغل فيها حاليا منصب نائب الرئيس؛ و قد اختار لها مؤسسوها، و منهم رئيسها الحالي، اسم “ابن بطوطة” تيمنا بهذا الرحالة الفذ العظيم و الشهير.

(6) لقب “ابن بطوطة”، و اسمه الكامل: “محمد بن عبد الله بن محمد اللَّوَاتِيِّ الطَّنْجِيِّ” (703/779ه-1304/1377م).

(7) يستفاد من اللوحة التعريقية المثبتة أمام المسجد أنه بُنِيَ عقب تحرير طنجة من يد الأنجليز سنة 1095ه الموافق  1874م بأمر من السلطان المولى إسماعيل.

(8) مازالت هذه التسمية مثبتة في الداخل عند مكتب الاستقبال، و لا شك أنها التسمية الرسمية القديمة عندما كان المتحف تابعا إداريا لوزارة الثقافة.

(9) التسمية الرسمية المثبتة خارج مدخل المتحف، و يبدو واضحا في صياغتها أَثَرُ تحول تبعية المتحف إداريا إلى “المؤسسة الوطنية للمتاحف” التي يرأسها و يديرها “مهدي قطبي”.

(10) لاحظت خلال زيارتي الحالية أن الخط الزمني المغطى أطول قياسا بما كان عليه الأمر قبل حوالي ستة عشر سنة خلت عند آخر زيارة لي للمتحف في رحلة منظمة مع “جمعية ابن بطوطة للثقافة السياحية”.

(11) خلال زيارتي الأخيرة، المذكورة قبله، كان المدخل الرئيسي من الحديقة، و منه تبتدئ الزيارة لتنتهي بأروقة المتحف، عكس ما هو عليه الأمر الآن.

(12) قماش سميك مزركش في الغالب باللونين الأحمر و الأخضر، عليه رسوم أقواس متراصة، تُؤَثَّثُ به القاعدة الدائرية للخيمة المغربية المعروفة بـ”لُوثاقْ” (معروفة أيضا في اللغة الفرنسية بـ”La tente Caidale”/”خيمة الْقايْد”).


الإشهار بعد النص
شاهد أيضا
عداد الزوار