بحقيبة بين قدميه وتذكرة سفر في يده، كان أحد عمال قطاع السيارات يقف أمام شباك التذاكر في المحطة الطرقية بمدينة طنجة. خلفه طابور طويل، وأمامه رحلة نحو الجنوب للقاء عائلة لم يرها منذ أشهر.
يقول العامل، وعيناه على شاشة هاتفه: “في كل عيد يتكرر المشهد نفسه. نأتي إلى طنجة للعمل، وحين يحل العيد نعود إلى أهلنا”.
خلال الأيام التي سبقت عيد الأضحى، تحولت المحطة الطرقية بطنجة إلى نقطة عبور لعشرات الآلاف من المسافرين، بحسب مصادر في إدارتها.
وامتلأت رحلات عدة متجهة نحو مدن الداخل والجنوب والشرق قبل موعد العيد، فيما أصدرت مصالح مديرية النقل واللوجستيك مئات الرخص الاستثنائية لتعزيز العرض الطرقي.
لكن هذه الرخص لم تكن كافية لاحتواء كامل الضغط. فعلى مقاعد الانتظار، كان عمال بناء يتقاسمون شطائر سريعة، وأمهات يجلسن مع أطفالهن قرب الحقائب، بينما ينام شباب فوق أمتعتهم في انتظار رحلات قد تمتد لساعات.
ولا تعكس هذه الحركة ضغطا موسميا على النقل فقط. فهي تكشف أيضا جانبا من طبيعة طنجة، التي تحولت خلال العقدين الأخيرين إلى حوض واسع للشغل في الصناعة والبناء والخدمات والمناولة واللوجستيك.
مصانع تخف حركتها
على بعد كيلومترات من صخب المحطة، خفتت الحركة أمام عدد من الوحدات الصناعية في محيط طنجة ومينائها المتوسطي.
وبدت مواقف سيارات شبه خالية، وتراجعت حركة العمال في أوقات كانت تعرف عادة تنقلا يوميا بين المصانع ومساكن العمال.
وتضم منظومة طنجة المتوسط الصناعية نحو ألف و500 مقاولة توفر أكثر من 145 ألف منصب شغل، وفق معطيات طنجة المتوسط للمناطق الصناعية، في قطاعات تشمل السيارات والنسيج والمناولة والخدمات اللوجستية.
وأسهم هذا النمو في جعل طنجة وجهة عمل لآلاف العمال والأجراء القادمين من جهات مختلفة.
ويظهر هذا الارتباط بوضوح في الأعياد، حين يغادر جزء من هذه الكتلة العاملة نحو مدن وقرى الأصل.
ويقول حارس أمن خاص ينحدر من مدينة خريبكة، وهو من بين من بقوا لضمان المداومة في إحدى المنشآت: “جئت للعمل هنا، لكن عائلتي هناك. قضاء العيد بعيدا عن الأسرة يفقد المناسبة طعمها”.
ولا يقتصر الأمر على عمال المصانع. فالأمر يشمل أيضا عمال البناء، ومستخدمي شركات المناولة، وسائقي النقل، ومهنيين في خدمات مرتبطة بحركة الميناء والمناطق الصناعية والتجارة. كثيرون منهم يقيمون في طنجة أو ضواحيها بحكم العمل، لكن روابطهم العائلية والاجتماعية بقيت في مناطق أخرى.
رحلات موازية
وبعيدا عن شبابيك التذاكر المزدحمة، يسلك جزء من العمال مسارات أخرى للمغادرة. ويقول عامل في قطاع المناولة، فضل عدم كشف اسمه، إن شركته اكترت حافلة لنقل العمال مباشرة إلى مدنهم الأصلية.
ويضيف: “هذا أهون من الوقوف ساعات في الطوابير. صار الأمر مألوفا في كل عيد”.
وتشير معطيات مهنية إلى أن مقاولات عدة تلجأ إلى ترتيبات مماثلة خلال المناسبات الكبرى، خصوصا في محيط المناطق الصناعية وبعض أوراش البناء.
ولا تمر هذه الحركة كلها عبر المحطة الطرقية أو السكك الحديدية، ما يجعل أرقام التذاكر والرخص الاستثنائية غير كافية وحدها لقياس حجم المغادرة الفعلية.
ويؤكد مسير وكالة نقل بالمنطقة الصناعية أنه تلقى “طلبيات استثنائية” من مقاولات قبل العيد، موضحا أن “كل شركة تريد إيصال عمالها. الوجهات مختلفة، لكن الطلب يأتي في وقت واحد”.
ولا تقدم هذه الترتيبات دائما باعتبارها إجراء اجتماعيا معلنا. ففي حالات كثيرة، ترتبط بتنظيم توقف العمل قبل العيد، أو بتسهيل مغادرة العمال وعودتهم بعد المناسبة. لكنها تبرز جانبا أقل ظهورا في سفر العيد من طنجة، حيث لا يمر كل المسافرين عبر شبابيك المحطات.
وتساعد هذه الحافلات، عمليا، في إخراج جزء من الطلب من المحطة الطرقية والسكك الحديدية، من دون أن تلغي الضغط عليهما. فعدد المسافرين يبقى مرتفعا، والوجهات متعددة، والطلب يتركز في أيام قليلة تسبق العيد.
مدينة لا تفرغ
غير أن هذه المغادرة الواسعة لا تعني أن طنجة تخلو من ساكنتها. ففي الساعات الأولى من يوم العيد، تتراجع الحركة في الشوارع، وتغلق متاجر كثيرة أبوابها، وتنصرف الأسر إلى شعيرة النحر داخل البيوت أو في محيطها القريب.
لكن هذا الهدوء لا يدوم طويلا. فبعد ساعات النحر، تبدأ الحركة في العودة تدريجيا إلى عدد من المحاور والأحياء، مع الزيارات العائلية والتنقلات داخل المدينة وبين ضواحيها.
وتعود السيارات الخاصة وسيارات الأجرة إلى الظهور بكثافة أكبر، خصوصا في الطرق الرابطة بين الأحياء الكبرى والمناطق السكنية الجديدة.
ولا يتعلق الأمر، لذلك، بمدينة يغادرها الناس في العيد ثم تهدأ. فالمغادرة تمس جزءا من العمال والأجراء الذين ترتبط حياتهم المهنية بطنجة، لكنها لا توقف الحركة الداخلية لمدينة تضم ساكنة قارة واسعة وتمتد حولها أحياء وهوامش عمرانية نشيطة.
ويقول أحد سكان حي شعبي بالمدينة إن “الحركة تنقص في الصباح فقط”، قبل أن يضيف: “بعد النحر، تعود السيارات والزيارات. طنجة لا تبقى هادئة طويلا”.
وتعيد هذه الحركة الموسمية طرح سؤال موقع طنجة في سوق الشغل الوطني. فالمدينة تستقطب العمال بفعل مناطقها الصناعية وأوراش البناء والخدمات، فيما تبقى روابط كثير منهم العائلية والاجتماعية قائمة في مدن وقرى أخرى.
ولا يتعلق الأمر بانتقال عابر. فكل عيد يبرز، من خلال المحطة الطرقية والقطارات وحافلات الشركات، حجم اليد العاملة التي تتحرك بين طنجة ومناطق أخرى. تعمل هنا طوال السنة، ثم تعود إلى أهلها كلما حلت المناسبات الكبرى.
عند باب المحطة الطرقية، يسأل عامل بناء يتحدر من منطقة سوس، عما إذا كان سيعود إلى طنجة بعد العيد. يتوقف لحظة، ثم يجيب: “بالطبع سنعود. فالعمل هنا”.







