لم تمر سوى أسابيع على وفاة محمد بن عيسى، رئيس جماعة أصيلة ووزير الثقافة والدبلوماسي السابق، حتى بدأت رائحة الأطماع تفوح من زوايا المدينة العتيقة، تماما كما تُنشر الزيوت المعطرة في مواسم التمويه.
لم يتأخر الكثيرون في كشف أن وقارهم الظاهري لم يكن سوى قشرة احترام موجهة للرجل، لا لما يمثله من سلطة قانونية أو مشروعية مؤسساتية. وبمجرد أن غاب الحارس، تكشّرت الأنياب، وارتفعت أصوات ما كان لها أن تهمس قبل ذلك.
كان محمد بن عيسى، على امتداد عقود، جزءا من معمار المدينة، لا فقط باعتباره منتخَبا أو رجل دولة، بل لأنه امتلك قدرة نادرة على جعل نفسه مرجعية فوقية لكل ما يتحرك في أصيلة.
كثيرون اختلفوا معه، وانتقدوه، وحاربوه أحيانا، لكن قلّة فقط تجرّأت على مواجهته وهو على كرسي المسؤولية. لأنه، ببساطة، كان يعرف خيوط اللعبة، ويديرها بنَفَس استراتيجي، لا يخلو من حسابات دقيقة ومناورات محسوبة.
حين تُوفي، لم تخسر أصيلة فاعلا سياسيا أومدنيا عاديا، بل خسرت «ناظما» للمعادلات المتشابكة داخل مجلسها وخارج أسواره.
وما نراه اليوم ليس إلا ارتجاجاً بعد اختفاء اليد التي كانت تمسك بالخيوط. ففي الوقت الذي يترقب فيه الرأي العام ما ستؤول إليه الوضعية القانونية داخل الجماعة، بدأت بعض الوجوه، التي كانت في الظل، تحاول التموضع في الواجهة. وجوه لم تبنِ مشروعا، ولم تُعرف برؤية، بل احترفت المراوغة والانتظار حتى تأتيها الفرص من تلقاء نفسها.
ولا أدل على هذا الفراغ من المشهد الفوضوي الذي باتت عليه المدينة العتيقة، حيث غابت مظاهر التنظيم، واختلط السياحي بالوظيفي، وتحولت أزقة الفن والتاريخ إلى مواقف عشوائية للسيارات، تُدهس فيها جداريات ومبادرات ثقافية تحت عجلات اللامبالاة.
إن الصورة التي وثقتها عدسات الغيورين على أصيلة لم تكن مجرد زلة إدارية، بل تعبير صريح عن فقدان البوصلة، حين يغيب من كان يضبط الإيقاع، ولو بسلطة فردية مثيرة للجدل.
لا يتعلق الأمر هنا بصراع سلطة بالمعنى المؤسسي، بل بمشهد انتقالي هشّ، تحاول فيه بعض الأطراف أن تملأ الفراغ بطرق لا تخلو من التحايل على القانون واللياقة السياسية.
فالتحركات الجارية لا تحترم لا مقام الفقيد، ولا روح القانون، بل تتغذى على فكرة أن المدينة فقدت من يحرسها، وبالتالي باتت قابلة للتقسيم كغنيمة.
إن احترام الراحل لا يترجم فقط بتعداد مناقبه، ولا بتحية صامتة على ضريحه، بل بالتشبث بما كان يُمثله من ضوابط في تدبير الشأن العام، حتى وإن كانت بعض تلك الضوابط مثار جدل أو محل اختلاف.
فالخلاف السياسي لا يلغي حقيقة أن الرجل كان يمتلك هيبة جعلت الجميع يتحسّب لكل خطوة في حضرته. واليوم، ومع غيابه، يجب أن نعيد الاعتبار للقانون كمصدر للشرعية، لا للأشخاص ولا للولاءات العابرة.
هناك من يظن أن زمن التوافقات قد انتهى، وأن الباب بات مفتوحا للتسابق نحو النفوذ. وهناك من بدأ يهمس بأسماء، ويتداول سيناريوهات، كما لو أن الجماعة أصبحت أرضاً سائبة بلا مؤسسات.
لكن ما يجب أن يُقال بوضوح: أصيلة ليست ميراثا سياسيا لأحد، ولا عزاء مفتوحا لتصفية الحسابات. بل هي مجال ترابي له ضوابطه، وقواعده، ومساراته القانونية التي لا تحتمل التأويل حسب الأهواء.
إن ما تحتاجه المدينة اليوم هو وقفة عقل، لا حمى طمع. لحظة تعقُّل جماعي تحمي المؤسسات من الانزلاق نحو العبث، وتحمي الذاكرة الجماعية من تشويه إرث رجل، مهما اختلفت حوله التقييمات، فإنه لم يكن عابرا في تاريخ أصيلة.
والرهان الحقيقي الآن ليس في من سيملأ الكرسي، بل في كيف ستُصان المدينة من الوقوع في أيدي من لا يميزون بين التدبير والتسلّق.
من كان يحترم بن عيسى، فليترحّم عليه، وليدع له، لكن فليعلم أن الرجل قد مات. ومن كان يحترم القانون، فليتمسّك به، لأنه وحده من يجب أن يبقى فوق الجميع. بين هذين الموقفين يُختبر اليوم نضج المدينة، ويُقاس وعي نخبتها، وتُرسم ملامح مستقبلها.
فأصيلة، التي كانت لسنوات تُدار على إيقاع شخصية، مدعوة اليوم لتُدار على إيقاع مؤسسة. ولعل في هذا الانتقال أكبر تكريم لاسم رحل، لكنه ترك وراءه مدينة يجب أن لا تُهان.







