طور فريق بحثي من جامعة عبد المالك السعدي بتطوان، بالتعاون مع مؤسسات جامعية مغربية وإسبانية، نظاماً يعتمد على الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة لرصد الغطاء الثلجي بالمناطق الجبلية المغربية، محققاً دقة بلغت 99.21 في المائة في تصنيف الصور الجوية، في خطوة علمية تهدف إلى تحسين مراقبة الطرق الجبلية ودعم عمليات التدخل خلال موجات البرد والتساقطات الثلجية.
وكشفت الدراسة، التي نشرتها مجلة «Drones» العلمية الدولية في 21 أكتوبر الجاري، أن النظام الجديد يجمع بين تقنيات التعلم العميق والتصوير الجوي والخرائط الرقمية، بهدف تحديد المناطق التي تغطيها الثلوج وإظهار توزيعها الجغرافي، خصوصاً بالمناطق التي يصعب الوصول إليها خلال فصل الشتاء.
وأعد البحث خمسة باحثين، هم عبد الواحد الداودي، وعبد العزيز البغدادي، وياسين يزيد، وأحمد الوالقاضي، وعبد الرحمن الداودي، ينتمون إلى مختبر هندسة الأنظمة المبتكرة بالمدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية بتطوان، وجامعة قرطاجنة التقنية الإسبانية، والكلية متعددة التخصصات بسيدي بنور التابعة لجامعة شعيب الدكالي.
واعتمد الفريق على تجربة ميدانية بجبل صاغرو، الواقع ضمن سلسلة الأطلس الصغير جنوب شرق المغرب، حيث أنجز 18 رحلة استطلاعية بواسطة طائرة مسيرة من طراز «DJI Mini 3 Pro»، خلال شهري نونبر ودجنبر 2024.
وشملت عمليات التصوير مساحة تناهز 24 كيلومتراً مربعاً، على ارتفاعات تراوحت بين 40 و80 متراً فوق سطح الأرض، وفي ظروف جوية مختلفة، من السماء الصافية إلى الغيوم الكثيفة.
وجمع الباحثون 9407 صور جوية، استبعدوا منها 100 صورة بسبب صعوبة تحديد محتواها بدقة، قبل اعتماد قاعدة بيانات نهائية تضم 9307 صور، بينها 4944 صورة لمناطق مغطاة بالثلوج، و4363 صورة لمناطق خالية منها.
تسعة نماذج للذكاء الاصطناعي تحت الاختبار
واختبر الفريق تسعة نماذج للتعلم العميق، إلى جانب نموذج تقليدي للتصنيف، بهدف تحديد التقنية التي توفر أفضل توازن بين دقة التعرف على الثلوج وسرعة معالجة الصور واستهلاك الموارد الحاسوبية.
وأظهرت النتائج أن نموذج «EfficientNet-B0» حقق دقة تصنيف بلغت 99.21 في المائة في الاختبار الأساسي، مع قدرة معالجة تجاوزت 105 صور في الثانية على التجهيزات الحاسوبية المستخدمة في التجربة.
ورغم أن نموذجاً أكبر من العائلة نفسها حقق دقة بلغت 99.85 في المائة، فإن الباحثين فضلوا النموذج الأخف بسبب سرعته وانخفاض متطلباته التقنية، وهو ما يجعله أنسب للتطوير مستقبلاً على الحواسيب الصغيرة التي تحملها الطائرات المسيرة.
كما أخضع الفريق النماذج لاختبار أكثر صرامة، يقوم على تخصيص صور كل رحلة جوية للاختبار بصورة مستقلة عن الرحلات المستخدمة في التدريب، لتقليل تأثير التشابه بين الصور الملتقطة في المكان نفسه.
وفي هذا الاختبار، بلغت دقة النموذج المختار 98.11 في المائة، ما يشير إلى قدرته على التعرف على الغطاء الثلجي في صور لم يسبق له التعامل معها خلال التدريب.
خرائط رقمية لتحديد الطرق المتأثرة بالثلوج
ولم يقتصر العمل على التعرف على الثلوج داخل الصور، إذ ربط الباحثون نتائج التصنيف بالإحداثيات الجغرافية التي سجلتها الطائرة المسيرة.
واستعان الفريق ببرنامج «ArcGIS» ضمن بيئة «Power BI» لإنتاج خرائط تفاعلية تعرض مواقع الثلوج وكثافتها المكانية، إلى جانب شبكات الطرق والتضاريس الجبلية.
وتتيح هذه الخرائط تحديد المقاطع الطرقية التي تظهر بالقرب منها تجمعات ثلجية، وتقديم معطيات جغرافية تساعد على ترتيب أولويات إزالة الثلوج وتوجيه فرق التدخل نحو المناطق الأكثر عرضة للعزلة.
ويشير الباحثون إلى أن هذه المقاربة تكتسي أهمية خاصة في المناطق الجبلية المغربية، حيث تؤدي التساقطات الثلجية أحياناً إلى انقطاع الطرق وصعوبة وصول خدمات الإسعاف والتموين إلى التجمعات السكانية.
كما تساعد الصور الجوية ذات الدقة المرتفعة على مراقبة مساحات محددة يصعب تتبع تغيرات الغطاء الثلجي فيها بالاعتماد على صور الأقمار الصناعية وحدها، خصوصاً خلال فترات الغيوم الكثيفة.
آفاق لتوظيف التقنية في الإنقاذ والمراقبة المناخية
وترى الدراسة أن الجمع بين الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة يوفر إمكانات لتطوير أدوات مراقبة سريعة لفائدة مصالح الوقاية المدنية والتجهيز والسلطات المكلفة بتدبير الطوارئ.
ويمكن توسيع نطاق التجربة مستقبلاً إلى مناطق أخرى من الأطلس الكبير والأطلس الصغير، لمراقبة الطرق الجبلية والتغيرات الموسمية للغطاء الثلجي، والمساعدة في إعداد خرائط المخاطر المرتبطة بالشتاء.
غير أن الباحثين أوضحوا أن قياسات سرعة معالجة الصور أجريت على حاسوب مختبري، وأن النظام لم يخضع بعد لاختبارات تشغيل كاملة على المعالجات المثبتة داخل الطائرات المسيرة.
كما يقتصر النموذج الحالي على التمييز بين المناطق المغطاة بالثلوج وغير المغطاة بها، دون تحديد سمك الثلوج أو حجم تراكماتها، وهو ما يتطلب تطوير تقنيات إضافية.
ويؤكد الفريق أن اختبار النظام في بيئات جبلية مختلفة سيشكل مرحلة ضرورية قبل اعتماده في عمليات ميدانية فعلية.
وتبرز هذه الدراسة مساهمة الباحثين بجامعة عبد المالك السعدي في تطوير تطبيقات للذكاء الاصطناعي مرتبطة بحاجيات المغرب، من خلال توظيف البحث العلمي في مراقبة المجالات الجبلية وتحسين أدوات التعامل مع المخاطر المناخية.







