بقلم :الحسين بن الطيب
حين نقول إن جلالة الملك محمد السادس أعاد لإفريقيا فخرها بهويتها واعتزازها بذاتها، فإننا لا نتحدث عن شعار سياسي عابر أو خطاب دبلوماسي ظرفي، بل عن مشروع حضاري متكامل أعاد الاعتبار لقارة ظلت، لعقود طويلة، أسيرة صور نمطية اختزلتها في الفقر والهشاشة والتبعية.
لقد جاءت الرؤية الملكية لإفريقيا لتؤسس مرحلة جديدة قوامها الثقة في الذات الإفريقية، والاعتماد على الإمكانات الداخلية للقارة، وبناء شراكات تقوم على التضامن والتكامل والمصالح المشتركة، بعيدا عن منطق الهيمنة والوصاية الذي طبع جزءا من العلاقات الدولية تجاه إفريقيا خلال القرن الماضي.
المغرب وإفريقيا: عمق تاريخي يتجاوز الجغرافيا
لم تكن علاقة المغرب بإفريقيا وليدة مصالح آنية أو تحولات سياسية معاصرة، بل امتدادا لتاريخ طويل من التفاعل الحضاري والإنساني والديني والثقافي.
فقد شكلت المملكة المغربية، عبر قرون، جسرا استراتيجيا بين شمال القارة وعمقها الإفريقي. وأسهمت في بناء شبكات التبادل التجاري والعلمي والروحي بين شعوب إفريقيا.
كما لعبت الزوايا والطرق الصوفية المغربية دورا محوريا في نشر قيم الاعتدال والتسامح والتعايش، مما جعل المغرب حاضرا في الذاكرة الجماعية لعدد من الشعوب الإفريقية، بوصفه شريكا حضاريا لا فاعلا سياسيا فقط.
ومن هذا المنطلق، فإن العودة القوية للمغرب إلى عمقه الإفريقي لم تكن توجها نحو مجال جديد، بل استعادة لدور تاريخي أصيل يستند إلى روابط إنسانية وثقافية متجذرة.
الإنسان الإفريقي في قلب الرؤية الملكية
ما يميز الرؤية الملكية للقارة الإفريقية أنها لا تنطلق من منطق الموارد الطبيعية أو المصالح الاقتصادية فقط، بل تضع الإنسان الإفريقي في صلب المشروع التنموي.
فالرهان الحقيقي، في نظر جلالة الملك، لا يقوم على الثروات الباطنية أو الإمكانات الجغرافية وحدها، بل على الرأسمال البشري باعتباره المحرك الأساسي لكل تحول تنموي مستدام.
ومن هنا جاءت المبادرات الملكية في مجالات التكوين والتعليم والصحة والاستثمار وخلق فرص الشغل، باعتبارها أدوات لتمكين الإنسان الإفريقي من امتلاك شروط الكرامة والإبداع والمشاركة في صناعة مستقبله.
إن إفريقيا لن تتقدم بما تمتلكه تحت الأرض فقط، بل بما تمتلكه فوق الأرض من كفاءات وشباب وطاقات قادرة على الابتكار وصناعة الثروة وتحقيق التنمية.
من الجغرافيا إلى الجيوستراتيجية: إفريقيا المتوسطية الأطلسية
أدرك جلالة الملك، في وقت مبكر، أن الموقع الجغرافي للقارة يمثل فرصة استراتيجية استثنائية يجب استثمارها.
فإفريقيا المطلة على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي ليست فضاء جغرافيا فقط، بل مجالا استراتيجيا قادرا على أن يصبح مركزا عالميا للتجارة والاستثمار والطاقة والربط اللوجستي.
وفي هذا السياق، برزت المبادرات الملكية الكبرى الهادفة إلى تعزيز الاندماج الإفريقي وتيسير ولوج الدول الإفريقية إلى الأسواق العالمية، بما يجعل من المحيط الأطلسي فضاء للتعاون والتنمية المشتركة.
وتستشرف هذه الرؤية مستقبلا تصبح فيه إفريقيا فاعلا مؤثرا في الاقتصاد العالمي، لا سوقا استهلاكية أو مصدرا للمواد الأولية فقط.
المشاريع الكبرى: ترجمة الرؤية إلى واقع
أولا: الواجهة الأطلسية وفتح أفق جديد لدول الساحل
انطلاقا من إدراك عميق لمعاناة دول الساحل الإفريقي من العزلة الجغرافية وغياب المنفذ إلى البحر، أطلق جلالة الملك محمد السادس مبادرة الواجهة الأطلسية، الرامية إلى فتح ممرات للتواصل البري واللوجستي بين دول الساحل، مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد، والمحيط الأطلسي عبر الأراضي المغربية.
ولا تقتصر هذه المبادرة على الربط التقني، بل تحمل رؤية تنموية شاملة تقوم على تيسير ولوج هذه الدول إلى الأسواق العالمية، وتعزيز تبادلاتها التجارية، وتخفيف التكاليف التي تتحملها بسبب بعدها عن الموانئ والمنافذ البحرية.
كما تسعى المبادرة إلى إدماج دول الساحل في سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية، بما يدعم استقرارها واندماجها في منظومة التجارة الدولية.
وتتجلى في هذه المبادرة روح التضامن الإفريقي، إذ يتجاوز المغرب منطق المصلحة الضيقة، ويرسم أفقا مشتركا للازدهار يشمل الجوار الإفريقي.
ثانيا: الاندماج الاجتماعي والاقتصادي
أسهمت الزيارات الملكية المتعاقبة لعدد من الدول الإفريقية في إطلاق حزم واسعة من اتفاقيات التعاون، شملت الفلاحة والصيد البحري والصحة والتعليم والبنيات التحتية والطاقة المتجددة.
وقد أرست هذه الاتفاقيات نموذجا للشراكة يقوم على مبدأ الربح المشترك، ويعكس قناعة راسخة بأن التنمية لا تتجزأ.
كما سجلت مجموعات مغربية كبرى، من بينها البنك الشعبي واتصالات المغرب ومجموعة OCP، حضورا فاعلا في القارة، من خلال نقل الكفاءات والتكنولوجيا وخلق فرص الشغل.
وتحتضن المؤسسات المغربية آلاف الطلبة الأفارقة سنويا في إطار منح دراسية، مما يعزز الاندماج البشري والعلمي، ويدعم استمرارية الشراكة على المدى البعيد.
ثالثا: أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب
يجسد مشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب نموذجا للرؤية الملكية التي تؤمن بأن إفريقيا قادرة على قيادة مشاريعها الكبرى بنفسها.
فهذا الأنبوب، الذي سيمتد على مسافة تفوق خمسة آلاف كيلومتر، ويمر عبر أكثر من ثلاثة عشر بلدا إفريقيا على طول الساحل الغربي للقارة، لا يمثل مشروعا طاقيا فقط، بل مشروعا تنمويا متعدد الأبعاد.
ويستهدف المشروع توفير الطاقة لدول غرب إفريقيا، وتعزيز أمنها الطاقي، وتحفيز التصنيع، وخلق فرص العمل على امتداد مساره، إلى جانب الربط المستقبلي مع أوروبا عبر إسبانيا، بما يعزز موقع المغرب كمركز لوجستي وطاقي بين إفريقيا وأوروبا.
ويكتسب هذا المشروع أهمية استراتيجية في سياق التحولات الطاقية العالمية وسعي أوروبا إلى تنويع مصادر الطاقة.
تحويل التحديات إلى فرص
من أبرز سمات القيادة الملكية قدرتها على تحويل الأزمات والعقبات إلى فرص استراتيجية للنهوض والتقدم.
فالتاريخ السياسي الحديث للمملكة يبين أن التحديات الكبرى لم تكن سببا في التراجع، بل شكلت محطات لإعادة البناء وتعزيز الموقع الاستراتيجي للمغرب.
وتتجلى هذه الفلسفة في تدبير عدد من الملفات الوطنية والإقليمية، حيث تحولت الضغوط إلى محفزات للإبداع المؤسسي والدبلوماسي والاقتصادي.
ففي الرؤية الملكية، لا تقاس قوة الدول بغياب الأزمات، بل بقدرتها على تحويلها إلى فرص للتطوير وتعزيز المكتسبات.
القضية الوطنية: نموذج لتحويل التحديات إلى مكاسب
تشكل القضية الوطنية المثال الأبرز على قدرة جلالة الملك على تحويل العقبات إلى نقاط تحول استراتيجية.
فخلال العقدين الأخيرين، شهد ملف الصحراء المغربية تطورات نوعية على المستويات الدبلوماسية والسياسية والتنموية.
وانتقل المغرب من منطق تدبير النزاع إلى منطق صناعة الحلول، من خلال مبادرة الحكم الذاتي التي أصبحت مرجعا جديا وواقعيا يحظى بدعم متزايد من عدد من الدول والقوى المؤثرة.
وفي الوقت نفسه، تحولت الأقاليم الجنوبية إلى ورش تنموي مفتوح، بفضل النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، مما جعلها فضاء للاستثمار والتنمية والاستقرار.
لقد أثبتت التجربة أن الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى قادرة على تحويل التحديات إلى فرص لتعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ المكانة الدولية للمملكة.
إفريقيا شريك في صناعة العالم الجديد
لا تقتصر الرؤية الملكية على معالجة إشكالات الحاضر، بل تنظر إلى إفريقيا باعتبارها أحد الفاعلين في تشكيل النظام العالمي الجديد.
فالقارة تمتلك رصيدا بشريا شابا، وتتوفر على إمكانات واسعة في الطاقة والغذاء والموارد الطبيعية والاقتصاد الرقمي.
غير أن تحقيق هذا الطموح يقتضي الاستثمار في الإنسان، وتعزيز التكامل الإقليمي، وترسيخ الحكامة الجيدة، وإطلاق ديناميات الابتكار والمعرفة.
ومن هنا تبرز أهمية النموذج المغربي، الذي يجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الهوية والتحديث، وبين الانتماء الوطني والبعد الإفريقي.
لقد أعاد جلالة الملك محمد السادس لإفريقيا ثقتها بنفسها، وأعاد إلى شعوبها الإيمان بقدرتها على صناعة مستقبلها.
ومن خلال رؤية استراتيجية تستند إلى التاريخ والهوية والإنسان والتنمية، أصبح المغرب اليوم جسرا بين إفريقيا والعالم، وحاملا لمشروع قاري يؤمن بأن نهضة إفريقيا مسار بدأ بالفعل ويتعزز يوما بعد يوم.
وتقدم التجربة المغربية درسا واضحا: الأمم التي تمتلك رؤية وقيادة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والعقبات إلى نقاط انطلاق، والأزمات إلى مشاريع للمستقبل.







