يقلب حسن، البالغ 24 عاما، رأس أضحية بسرعة فوق نار مفتوحة، في مشهد يتكرر في أحياء عدة بطنجة، حيث تتحول الساعات التي تلي النحر إلى وقت ذروة لـ“الفراوة”، وهي عملية شيّ رؤوس وأرجل الأضاحي لإزالة الصوف والشعر قبل تنظيفها وإعدادها للطبخ.
في حي بئر الشيفا بمقاطعة بني مكادة، يمسح الشاب عرقا اختلط برماد الفحم، بعدما اتخذ من زاوية شارع مقرا مؤقتا لنشاط لا يعيش إلا يوما واحدا في السنة.
ويقول حسن: “ننجز ما بين 30 و40 رأسا في اليوم، بتسعيرة تتراوح بين 50 و70 درهما. إنها فرصتنا السنوية لضمان دخل سريع، لكننا مستعدون للانتقال إلى أي فضاء مرخص شريطة أن يكون قريبا”.
وعلى بعد أمتار، ينتظر رشيد دوره في طابور قصير، حاملا رأس الأضحية وأرجلها داخل كيس بلاستيكي. ويقول: “العملية ضرورية. لا أحد يجرؤ على إشعال النار داخل شقق السكن الاقتصادي. لكن الفوضى التي ترافقها تحتاج إلى تنظيم”.
وتظهر هذه الفوضى بوضوح في أحياء أخرى. في مسنانة، تشير فاطمة بضيق إلى بقايا رماد وصوف محترق على الرصيف، وتقول: “الدخان يدخل إلى غرف النوم. والأسوأ أن البعض يترك الرماد والقرون وبقايا الصوف في مكانها، فيتحول الحي إلى مطرح عشوائي”.
بين الحاجة إلى خدمة قريبة وسريعة بعد الذبح، وتذمر السكان من الدخان والمخلفات، دخلت جماعة طنجة على خط هذه العادة الموسمية. فقد أصدر رئيس مجلس الجماعة قرارا جماعيا مؤقتا رقم 2026/1124، بتاريخ 20 ماي 2026، يقضي بمنع شي رؤوس الأضاحي بمختلف الشوارع والأزقة والطرقات بالمدينة.
واستند القرار إلى القانون التنظيمي رقم 113-14 المتعلق بالجماعات، وإلى المرسوم رقم 02.78.157 المحدد للشروط التي يتم بها التنفيذ التلقائي للتدابير الرامية إلى ضمان الأمن وسلامة المرور والنظافة والصحة العمومية، فضلا عن القرار البلدي رقم 1 لسنة 1974 المتعلق بنظام الصحة بمدينة طنجة، ورأي اللجنة المحلية المختلطة.
ولا يغلق القرار الباب أمام “الفراوة” في حد ذاتها. فالفصل الثاني منه ينص على تخصيص أماكن مؤقتة للشي بالملحقات الإدارية، إضافة إلى المحلات المهنية المتخصصة، بعد اختيار مواقعها من طرف لجنة محلية مختلطة. أما الفصل الثالث فيعهد بتنفيذ القرار إلى السلطة المحلية ومصالح الأمن والمصالح الجماعية المختصة، كل في دائرة اختصاصه.
وتطبيقا لهذا الاستثناء، تتحول محلات حدادة بشارع سيدي بوعبيد في وسط المدينة، خلال يوم العيد، إلى ورشات متخصصة في “الفراوة”، تستوعب جزءا من الطلب مستفيدة من تجهيزها المهني وقدرتها على التعامل مع النار والمخلفات في فضاء أكثر ضبطا.
ويشرح إدريس، وهو مهني يستقبل الزبائن في محل منظم، قائلا: “العمل داخل الفضاءات المهنية والمحلات المجهزة يضمن شروط السلامة. نتوفر على وسائل للتعامل مع المخلفات، ومصالح النظافة تجد سهولة في جمع النفايات من نقطة واحدة، عكس تشتتها في الأزقة”.
غير أن الانتقال من الزقاق إلى الفضاء المرخص لا يبدو سهلا بالنسبة إلى ممارسين موسميين في أحياء مثل العوامة وبني مكادة ومغوغة، حيث يقوم النشاط أساسا على القرب من السكان وعلى علاقة مباشرة مع زبائن الحي.
ويخشى هؤلاء أن يؤدي إبعاد “الفراوة” عن الشوارع إلى فقدان جزء من زبائنهم، خصوصا إذا لم تكن الأماكن المؤقتة قريبة بما يكفي أو معروفة مسبقا لدى الأسر.
وتكشف “الفراوة” وجها من اقتصاد العيد في طنجة. فهي ليست مهنة قائمة طوال السنة، ولا نشاطا منظما في الغالب، لكنها تفتح دخلا سريعا لشباب في يوم يعرف طلبا مرتفعا على خدمة لا تستطيع الأسر إنجازها داخل المنازل، خصوصا في العمارات وشقق السكن الاقتصادي.
وفي المقابل، تضع العملية المدينة أمام كلفة بيئية واضحة: دخان كثيف، رماد، بقايا صوف، قرون، أكياس بلاستيكية، ومياه غسل قد تختلط بممرات الراجلين ومجاري الشارع.
وبين نار تمنح دخلا عابرا ودخان يثقل الأحياء، تحاول طنجة هذا العام نقل “الفراوة” من وضعها العفوي إلى دائرة التنظيم، من دون قطع صلتها بعادة اجتماعية راسخة في تفاصيل عيد الأضحى.







