لم يكن تدبير التعمير في طنجة يوما شأنا تقنيا صرفا، بل ظل دائماً مرآة دقيقة تعكس ميزان القوى بين القرار المحلي والرقابة المركزية، بين طموح التنمية ونزعة التحكم الإداري.
وفي اللحظة التي منحت فيها الجماعات الترابية هامشا واسعا لممارسة اختصاصاتها الذاتية، بدا أن المغرب يتجه نحو تجربة متقدمة في التخطيط المجالي الديمقراطي، غير أن هذا الهامش سرعان ما تآكل، حين تحولت بعض المجالس المنتخبة إلى مراكز لتصفية المصالح الخاصة وتفويت الأراضي والامتيازات، فانحرف قطاع التعمير عن دوره التنموي، ليصبح أداة للتلاعب والاسترزاق السياسي.
فلم يكن سوء التدبير حادثا عرضيا، ولا يمكن اختزاله في قلة من المنتخبين؛ بل كان جزءا من منظومة متكاملة، شهدت عبر سنوات طويلة تواطؤا صامتا بين أطراف متعددة، بما فيها بعض رجال السلطة الذين غضوا الطرف عن الخروقات العمرانية، وساهموا، عن قصد أو عن ضعف، في تكريس أعطاب المجال الترابي، سواء عبر تساهل في منح التراخيص، أو عبر تسويات مشبوهة تحت يافطة حماية النظام العام.
هذه الانحرافات المتراكمة دفعت وزارة الداخلية، مدفوعة بضغوط اجتماعية وسياسية، إلى تشديد قبضتها على مساطر التعمير، فأعادت صياغة العلاقة بين الإدارة والجماعات الترابية بشكل يُقوض تدريجيا مبدأ التدبير الحر الذي نص عليه الدستور، ويُفرغ الديمقراطية التشاركية من مضمونها الواقعي، تحت ذريعة ضمان الشفافية ومكافحة الاختلالات.
ومع ذلك، فإن مواجهة الفساد لا يجب أن تمر عبر معاقبة المؤسسات المنتخبة برمتها، ولا عبر فرض وصاية تقنية خرساء، تنزع عن المدن قدرتها على الحلم والتخطيط لمستقبلها.
محاربة الانحرافات، أيا كانت، ينبغي أن تتم عبر آليات ربط المسؤولية بالمحاسبة الفردية، لا عبر بناء جدران من المساطر الإدارية التي تخنق المبادرات، وتعيق الاستثمار، وتؤجل الاندماج المجالي الذي يحتاجه المغرب أكثر من أي وقت مضى.
النقاشات الجادة التي شهدتها مدينة طنجة مؤخرا كشفت أن الحاجة اليوم لم تعد مقتصرة على ضبط مساطر إعداد وتصديق تصاميم التهيئة، بل باتت تفرض إصلاحا عميقا لمنظومة الحكامة التعميرية برمتها، يقوم على تعزيز الصلاحيات التقريرية للجماعات الترابية، وضمان مشاركتها الفعلية في صياغة وثائق التخطيط المجالي، بعيدا عن منطق الاستشارة الشكلية والمصادقة الإدارية المسبقة.
لا أحد ينكر أن جزءا من الطبقة السياسية التي تتصدر اليوم خطاب الدفاع عن الديمقراطية المحلية، هي ذاتها التي ساهمت بالأمس القريب في تفويت الفرص على الجماعات،
ولا أحد ينفي أن بعض الأصوات التي تطالب باستعادة هامش القرار الجماعي تفعل ذلك تحت دوافع انتخابية أكثر مما تفعل بدافع الحرص على المصلحة العامة.
غير أن هذا الواقع لا يبرر التمادي في التضييق على المجالس المنتخبة، ولا يسوغ استمرار عقلية الاحتكار التقني التي تمارسها مؤسسات مثل الوكالات الحضرية، التي ترفض الانفتاح على النقاش العمومي، وتدبر قضايا التعمير بمنطق فوقي لا يراعي أولويات المجتمعات المحلية ولا طموحاتها.
فالتخطيط المجالي لا يمكن أن يكون ناجحا إلا إذا نشأ من تفاعل حقيقي بين الفاعلين الترابيين، لا عبر فرض توجهات جاهزة تُحاك خلف المكاتب المغلقة، ولا عبر منطق الإملاء الذي يصادر هوية المجتمعات المحلية ويُفرغ الديمقراطية من روحها.
طنجة، التي تقف اليوم على أعتاب تحولات اقتصادية ودولية كبرى، لا تستطيع أن تبني مستقبلها العمراني بخرائط مفروضة، ولا بمساطر معقدة، بل تحتاج إلى تخطيط حضري حديث ينبثق من حاجياتها الفعلية، ويصون ذاكرتها المجالية، ويمنحها حقها الكامل في الاختيار.
إن بناء مدينة عادلة وذكية ومستدامة يمر عبر تمكين الجماعات الترابية من ممارسة صلاحياتها الدستورية كاملة، وعبر جعل التدبير الحر ممارسة يومية، لا شعارا دستوريا فارغا.
ويمر أيضاً عبر إخضاع كل من تلاعب في التعمير للمساءلة الفردية الصارمة، مهما كانت صفته أو موقعه، سواء أكان منتخبا أو مسؤولا إداريا.
فلا ديمقراطية بدون مجالس حرة ومسؤولة، ولا تخطيط مجالي ناجح بدون مشاركة حقيقية تنبع من صلب المجتمعات المحلية.
ولا عدالة مجالية بدون إعادة الثقة في التدبير المحلي، وربط المحاسبة بالفعل الفردي لا بالمصادرة الجماعية.
إن مدنا بحجم طنجة لا تُبنى بجرة قلم فوق خرائط صامتة، بل تُبنى بإرادة حية، وبقرار ينبع من الأرض، ومن الإنسان، ومن الحق في رسم المستقبل كما يجب أن يكون، لا كما يُراد له أن يكون.







