في سوق عقاري لا ينام، ولا يرحم، ولا يترك المواطن يعرف هل يشتري بيتاً أم يشتري وجع الرأس بالتقسيط، تبرز مهنة الوكيل العقاري كواحدة من أكثر المهن حضوراً في الواقع، وأقلّها حظاً في دفاتر التنظيم. مهنة ترافق البيع والشراء والكراء والتفاوض والوساطة، لكنها حين تبحث عن وضعها القانوني، تجد نفسها كمن يطرق باب الإدارة في يوم عطلة: لا جواب، ولا موعد، ولا حتى ورقة صغيرة تقول “ارجع غداً”.
السؤال البسيط الذي يطرح نفسه، وقد تعب من طرح نفسه: هل للوكيل العقاري أهمية داخل السوق العقاري؟ والجواب في الواقع واضح مثل شمس يوليوز، لكن يبدو أن بعض الجهات تفضّل النظر إلى الشمس عبر ستائر سميكة. فالوكيل العقاري ليس مجرد شخص يحمل مفاتيح شقق ويقول للزبون: “الصالون مشمس”. إنه وسيط في معاملات مالية كبرى، ومرافق لمواطنين يضعون مدخرات عمرهم فوق طاولة التفاوض، ومساهم في استقرار سوق يفترض أن يقوم على الثقة لا على “دبر راسك”.
ورغم ذلك، لا تزال مهنة الوكيل العقاري خارج التنظيم الحقيقي، كأنها ضيف دائم في عرس العقار، لكنه لا يجد اسمه في لائحة المدعوين. منذ سنة 2003 والوزارة الوصية تتحدث عن تنظيم القطاع، والسنوات تمر، والملفات تكبر، والأسئلة تتناسل، أما القانون فما زال يمارس هوايته المفضلة: الانتظار الأنيق.
المفارقة أن الدولة تشدد في كل مناسبة على محاربة غسل الأموال، وحماية المستهلك، وضبط المعاملات، وتطهير السوق من الفوضى. كلام جميل يصلح للندوات والبلاغات والصور الجماعية. لكن حين يتعلق الأمر بتنظيم مهنة تمرّ عبرها صفقات عقارية بملايين الدراهم، يصبح الصمت سيد الموقف، وتتحول الحكامة إلى كرسي فارغ في آخر القاعة.
إن ترك مهنة الوكيل العقاري دون قانون واضح لا يضر المهنيين وحدهم، بل يفتح الباب أمام الدخلاء، والسماسرة العشوائيين، ومن يتعاملون مع العقار كأنه سوق أسبوعي، لا قطاع اقتصادي حساس. والنتيجة؟ زبون تائه، مهني جادّ مظلوم، وسوق مفتوحة لمن يتقن فن المناورة أكثر مما يتقن قواعد المهنة.
لقد آن الأوان لإخراج الوكيل العقاري من منطقة الظل. فالمطلوب ليس معجزة تشريعية ولا اختراع عجلة جديدة، بل قانون واضح يحدد شروط الممارسة، ويحمي المتعاملين، ويميز بين المهني الحقيقي ومن يعتبر “السمسرة” موهبة عائلية موروثة.
أما الاستمرار في طرح الأسئلة نفسها كل سنة، وبالنبرة نفسها، وبالنتيجة نفسها، فهو نوع من الرياضة الإدارية التي لا تحرق الدهون ولا تنتج القوانين. والسوق العقاري، بكل ما فيه من أموال ومخاطر ونزاعات، لم يعد يحتمل مزيداً من الانتظار.
فالوكيل العقاري، ببساطة، موجود في الواقع. بقي فقط أن تعترف به النصوص، بدل أن تتركه يعيش قانونياً مثل شقة بلا رسم عقاري: الكل يعرفها، لكن لا أحد يريد تحمل مسؤوليتها.
“منذ عهد الحماية والعقار في المغرب يعرف النصوص والظهائر والدفاتر الثقيلة، حتى إن الحجر وجد من ينظمه قبل أن يجد الوكيل العقاري قانوناً يحميه ويحاسبه. كأن البناية حصلت على أوراقها، وبقي من يفتح بابها للزبون ينتظر دوره في الطابور.”
العربي عدنان
رئيس الجمعية الوطنية للوكيلة والوكيل العقاري بالمغرب







