في الوقت الذي تحث فيه المملكة الخطى نحو حداثة قسرية، وتتحول فيه طنجة من مجرد مدينة ساحلية إلى منصة جيواستراتيجية تحاور الضفة الأخرى من المتوسط بندية اقتصادية وصناعية، يبدو أن فئة من نخبتها المنتخبة قد قررت، في انفصال تراجيدي عن الواقع، أن تعيش في زمن مواز.
ما تشهده عاصمة البوغاز اليوم ليس مجرد “سجال ديمقراطي” كما يحلو للبعض تسميته تلطيفا، بل هو عرض مبتذل للبعض من الطبقة السياسية التي تعاني من “السكتة الدماغية” فكريا وأخلاقيا، وتصر على استعراض احتضارها أمام جمهور لم يعد يكترث.
إن المشهد القائم يبعث على القرف بقدر ما يبعث على القلق. نحن أمام جزء من النخبة لم يستوعب بعد أن قاموس “الابتزاز السياسي” ولغة “الملفات السوداء” والتهديدات المبطنة قد سقطت بالتقادم.
إنه مشهد سريالي لأشخاص يتقاتلون على كعكة نفوذ وهمي، بينما المدينة التي يدعون تمثيلها قد تجاوزتهم بسنوات ضوئية. هذه الفئة من “المنتخبين” تتصرف وكأنها سيدة إقطاعيات صغيرة، تتبادل اللكمات تحت الحزام في حلبة مصارعة شخصية، متجاهلة أن طنجة لم تعد ملكية خاصة لأحد، بل أصبحت ورشة ملكية مفتوحة وواجهة لدولة تطمح للريادة القارية.
إن جوهر المأساة لا يكمن في الخلاف السياسي، فالسياسة في أعرق الديمقراطيات هي تدبير للاختلاف، لكن ما يمارسه البعض في طنجة هو “بلطجة” مقنعة بربطات عنق.
عندما يتحول الفاعل السياسي -أو بالأحرى صنف محدد من الفاعلين- من “مهندس حلول” إلى “صانع ضجيج”، ومن مدافع عن الشأن العام إلى محام عن “الأنا” المتضخمة، نكون أمام إعلان صريح عن إفلاس هذا النموذج.
هؤلاء الذين يملؤون الفضاء الرقمي والمجالس بالصراخ لا يدركون أن ضجيجهم هذا ليس دليلا على القوة، بل هو صرخة العاجز الذي لم يعد يملك ما يقدمه سوى التشويش. إنها محاولة يائسة وبئيسة من طرف هذه الفئة لشد عقارب الساعة إلى الوراء، في زمن لا يعترف إلا بالسرعة والنجاعة.
والأخطر في هذه المسرحية العبثية هو كلفتها الباهظة على الرأسمال الرمزي للمدينة. طنجة، التي سوقها المغرب للعالم كوجهة للاستثمار والاستقرار والفرص، ترسم ملامحها اليوم بأيدي بعض أبنائها العاقين كمدينة للصراعات الدونية وتصفية الحسابات.
كيف يمكن لمستثمر أجنبي أو لفاعل اقتصادي جاد أن يثق في بيئة تدبيرية يغرق بعض مسؤوليها في الوحل؟ إن هؤلاء الساسة لا يغتالون مستقبلهم فحسب، بل يطلقون النار على أقدام المدينة، ويحجبون بغبار معاركهم الوهمية الجهود الجادة التي يبذلها آخرون، ويغطون على الملفات الحارقة التي تنتظر حلولا: من معضلات التشغيل والعدالة المجالية، إلى تحديات البنية التحتية والخدمات الاجتماعية.
يجب أن يقال الكلام بوضوح قاس لا مواربة فيه: الرسائل القادمة من “المركز” لم تعد مشفرة. الدولة المغربية، بمنطقها الجديد الصارم، لم تعد تملك ترف الوقت لمسايرة تلك النخب التي تعتاش على الريع السياسي وتقتات على الأزمات.
منطق “ربط المسؤولية بالمحاسبة” ليس شعارا للاستهلاك الإعلامي، بل هو مقصلة سياسية ستطال كل الرؤوس التي أينعت وحان قطافها، مستثنية بطبيعة الحال من يعمل بجد وصمت.
لكن من يعتقد أن الصراخ سيحميه، أو أن “البلطجة السياسية” ستطيل عمره في المنصب، فهو يقرأ المشهد بنظارات خشبية تعود لقرن مضى. الدولة تبحث عمن ينجز، وتلفظ من يثرثر.
إن الخيار العقلاني الوحيد المتبقي أمام هذه الوجوه المأزومة هو “الانسحاب الرحيم”. الانسحاب قبل أن يلفظهم التاريخ والجغرافيا معا. لأن تمسك البعض بالكراسي في ظل هذا العجز الفادح ليس شجاعة، بل هو نوع من الانتحار السياسي البطيء الذي سيجعل نهاية مسارهم مؤلمة ومهينة.
ما يحدث في طنجة يجب أن يكون درسا بليغا وإنذارا أخيرا: انتهى زمن العروض الفردية، ومن لا يزال من هذه الفئة يعتقد أن السياسة هي فن المناورة والخديعة بدلا من فن الخدمة والإنجاز، فعليه أن يغادر القاعة فورا، لأن الستار قد أسدل، والجمهور قد غادر، ولم يتبق إلا صدى الخيبة يتردد في الأرجاء.







