بقدر ما شكّلت إعادة افتتاح ساحة “سور المعكازين” مكسبا نوعيا في مسار تأهيل الفضاءات العمومية بمدينة طنجة، فإن تثبيت هذا الإنجاز وتحقيق استدامته يظلان رهينين بتكامل الأدوار بين السلطات الترابية والمجالس المنتخبة والمجتمع المدني، في مواجهة التحديات السوسيو-حضرية المتنامية.
يوم السبت الماضي، أشرف والي جهة طنجة تطوان الحسيمة، يونس التازي، على افتتاح ساحة “فارو”، الواقعة في الامتداد العلوي لشارع محمد الخامس والمُطِلّة على أسوار المدينة العتيقة، وذلك عقب انتهاء أشغال التهيئة التي استغرقت قرابة شهر ونصف، وشملت بالأساس الشطر العلوي من الفضاء.

وتأتي هذه العملية ضمن مقاربة ترابية تروم تحسين جودة العيش وتعزيز جاذبية المجال الحضري، في سياق الاستعدادات الجارية لاستقبال مواعيد رياضية قارية ودولية، على رأسها كأس الأمم الإفريقية 2025 وكأس العالم لكرة القدم 2030.
وقد لقيت إعادة فتح الساحة ترحيبا واسعا من طرف فئات من ساكنة المدينة وزوارها، بالنظر إلى التحول الجمالي الذي طال الفضاء، انطلاقا من اعتماد هندسة شبكية دقيقة وتنسيق بصري بسيط يزاوج بين التبليط المعاصر والبصمة الزخرفية المغربية، وصولا إلى تثبيت مسارات المشاة، أعمدة الإنارة، والأحواض النباتية وفق منطق يتسم بالوظيفية والانفتاح على المحيط.
غير أن هذا الإنجاز، الذي يندرج ضمن استراتيجية التدخل في الفضاءات الحضرية المركزية، يواجه رهانات مُركّبة على مستوى الصيانة اليومية وحسن استعمال المرفق، في ظل استمرار بعض السلوكات غير المدنية التي تؤثر سلبا على المشهد العام وتُضعف فعالية الاستثمار الترابي.

وفي هذا السياق، عبّر والي جهة طنجة تطوان الحسيمة، يونس التازي، صراحة عن انزعاجه من مظاهر “فوضى السير”، “احتلال الملك العمومي”، و”سوء استعمال الفضاءات العامة”، معتبرا أن هذه الممارسات تسيء إلى الصورة العامة للمدينة وتُفرغ الجهود المؤسساتية من محتواها.
وشدد المسؤول الترابي خلال خلال انعقاد الدورة العادية لشهر يوليوز بمجلس الجهة، على أن “السلطات عازمة على تطبيق القانون إلى أبعد مدى”، لكنه استدرك بأن المقاربة الزجرية يجب أن تتكامل مع مقاربة تحسيسية قوامها ترسيخ الوعي الجماعي بمسؤولية الحفاظ على المرافق العمومية كجزء من الحقوق المشتركة.
وأشار التازي إلى أن طنجة “تدفع ثمن نجاحها”، موضحا أن المدينة شهدت نموا ديمغرافيا غير مسبوق تجاوز 400 ألف نسمة في ظرف عشر سنوات، وهو ما يعادل تقريبا ساكنة مدينة تطوان، ما يفرض ضغطا متزايدا على الخدمات الجماعية والبنيات التحتية ويطرح تحديات هيكلية في مجال التخطيط الترابي والتدبير الحضري.
وفي تصريح لجريدة “طنجة 24” الالكترونية، اعتبر زكرياء أبوالنجا، رئيس حركة الشباب الأخضر، أن حماية الفضاءات العمومية “ليست مجرد مسألة تقنية أو أمنية، بل معركة يومية من أجل العدالة المجالية وكرامة المواطن”، مبرزا أن أي عملية تأهيل عمراني “تفتقر إلى وعي مؤسساتي بحجم الرهانات البيئية والاجتماعية، تظل منقوصة وقابلة للانهيار”.
وشدد ابو النجا الذي تعنى مؤسسته بالترافع عن قضايا البيئة، على ضرورة تفعيل المساطر الزجرية ضد المخالفين دون الإضرار بالحقوق الأساسية للفئات الهشة، مؤكدا أن الحق في فضاء عمومي نظيف وآمن “يُعد امتدادا للحق في المدينة والحق في بيئة سليمة، وهي حقوق مضمونة دستوريا وتؤكدها الالتزامات الدولية للمغرب”.
وأضاف المتحدث المدني أن استمرار مظاهر التخريب والتلويث “لا يمكن مواجهته فقط بمنطق الردع، بل يستلزم مقاربة شمولية تقوم على التحسيس والتربية البيئية”، داعيا إلى تعزيز ثقافة مواطنة تكرّس احترام المجال العمومي باعتباره ملكا جماعيا لا يُستباح.
وختم تصريحه بالتأكيد على أهمية إشراك المجتمع المدني كفاعل اقتراحي ورقابي في تدبير الشأن البيئي، داعيا إلى “استحضار البعد الرمزي والوجداني لبعض الفضاءات الحضرية، وفي مقدمتها سور المعكازين، كمعلمة شعبية تستحق حماية خاصة باعتبارها جزءا من الذاكرة الجماعية وقيم الإنصاف الترابي”.

وتبدو الساحة في حلتها الجديدة منظمة وفق تصور معماري مندمج، يعتمد على تبليط رمادي غامق تتقاطع داخله خطوط بيضاء على شكل مربعات متساوية، تتوسطها بلاطات زخرفية مغربية التصميم، في تناغم بصري يتكامل مع أعمدة إنارة مزدوجة، وأحواض نباتية دائرية القاعدة مزروعة بشجيرات وزهور بيضاء.
ويكتسي الفضاء المعروف باسم سور المعكازين مكانة خاصة في الذاكرة الطنجاوية، كأحد أبرز المعالم اليومية المفتوحة على البحر والتأمل، والتي لا تحدها بوابات أو ترتبط بأنشطة تنشيطية، بل ظلت على مدى عقود امتدادا عفويا للجلوس والمراقبة والصمت الحضري.
ومن خلال إعادة فتحه، تستعيد المدينة جزءا من نسغها الرمزي الهادئ، في انتظار أن يتم استكمال أشغال التهيئة في مرحلتها الثانية التي تهم الشطر السفلي من الساحة، ضمن رؤية ترابية تستحضر البعد الوظيفي والجمالي والإنساني للفضاء العمومي.







