في سوق كسابراطا الشعبي بمدينة طنجة، يجرب زبون حذاء صيفيا، يستفسر عن السعر، ثم يعيده إلى الرف. خلف المنضدة، يغلق التاجر درج الصندوق، موضحا أن “الإقبال الكثيف للمارة لا ينعكس على المبيعات”.
ويختزل هذا المشهد التداعيات الاقتصادية المباشرة لمصاريف عيد الأضحى على الدورة التجارية في المدينة. فبالرغم من اكتظاظ الممرات وعرض البضائع الصيفية، تسجل أنشطة تجارية تراجعا في حجم المعاملات، نتيجة توجيه الأسر جزءا كبيرا من ميزانياتها لتغطية مصاريف العيد.
في الممرات المخصصة للملابس، يسجل المهنيون تغيرا في السلوك الاستهلاكي. ويقول تاجر في المنطقة إن الزبون “بات يفاوض مطولا ويؤجل قرار الشراء”، مشيرا إلى أن السلع التي كانت تشهد إقبالا مع بداية يونيو بات تصريفها بطيئا.
ضغط المصاريف
وتعزى هذه الوضعية إلى الكلفة المالية المرتفعة التي تطلبها الاستعداد للعيد. وبحسب معطيات ميدانية، اعتمدت فضاءات تجارية منظمة في طنجة نظام الوزن الحي لبيع الأضاحي، بسعر قارب 83 درهما للكيلوغرام.
وبذلك، تراوحت الكلفة الفردية للأضحية بين 3320 درهما، بالنسبة إلى وزن 40 كيلوغراما، و5000 درهم، بالنسبة إلى وزن 60 كيلوغراما. ومع إضافة المصاريف الموازية المرتبطة بالذبح والمستلزمات، بلغ الحد الأدنى لنفقات أسرة متوسطة نحو 5000 درهم خلال أيام معدودة.
ويمتد الانكماش الاستهلاكي إلى تجارة القرب. في بني مكادة، يراقب صاحب محل للأواني المنزلية زبونة تكتفي باقتناء وعاء واحد، بعد سؤال قصير عن ثمن طقم كامل. ويؤكد التاجر أن “سلة المشتريات تراجعت من 300 درهم إلى ما دون 100 درهم”.
ولا يظهر الركود هنا في غياب الزبائن، بل في تقلص قيمة المشتريات. فالزبون يدخل إلى السوق، يسأل ويقارن، لكنه يشتري أقل أو يؤجل ما لا يدخل ضمن الضروريات.
عودة “الكارني”
وفي محلات البقالة بالأحياء الشعبية، يستمر الطلب على المواد الأساسية، لكن بكميات مجزأة. نصف كيلوغرام بدل كيلوغرام، وعلبة واحدة بدل اثنتين، ومشتريات يومية محدودة بدل سلة أسبوعية.
ويؤكد صاحب حانوت أن الأيام التي تلت العيد شهدت عودة ملحوظة للتعامل بدفتر القروض، المعروف محليا بـ”الكارني”، موضحا أن الأسر باتت “تقتني الضروريات فقط وتطلب تأجيل الدفع”.
وفي قطاع الخدمات، ينسحب الركود على المقاهي. ويشير عامل في مقهى وسط المدينة إلى أن الزبائن “يمضون وقتا أطول بطلبات استهلاك محدودة”، معتبرا أن الحركة لم تختف، لكن الإنفاق الفردي تراجع بوضوح.
ولا يعد هذا التراجع الاستهلاكي معزولا. فقد سبق لمهنيي القطاع التجاري في طنجة تسجيل انخفاض بنسبة 50 في المائة في مبيعات الملابس خلال النصف الأول من شهر رمضان الماضي، مما يعكس تراجع القدرة الشرائية قبل حلول الأضحى.
وبين مصاريف رمضان وكلفة العيد وبداية التزامات الصيف، يجد كثير من التجار أنفسهم أمام سوق مزدحم من الخارج، لكنه بطيء داخل الصناديق. فالزحام في الشوارع لا يعني، بالضرورة، رواجا داخل المحلات.
ويترقب التجار في طنجة دخول العطلة الصيفية وعودة المغاربة المقيمين بالخارج، أملا في إنعاش الحركة التجارية وتجاوز حالة الركود الراهنة.







