وسط غبار ممرات سوق “الحرارين”، بطنجة، يعلو ثغاء الماشية فوق أصوات الباعة. يمرر زبون يده على صوف كبش، يسأل عن الثمن، ثم ينسحب بصمت نحو حظيرة أخرى، في مشهد يختزل حالة الترقب التي تطبع اقتناء أضاحي العيد هذه السنة.
رغم حركية الشاحنات المحملة بالعلف، وتنقل الشباب بين الحظائر المؤقتة لجر الأضاحي أو نقلها، لا يزال الشراء حذرا. أسر كثيرة تتوافد على السوق لا للحسم، بل لاختبار الأسعار أولا. السؤال يتكرر عند كل حظيرة تقريبا: كم الثمن؟ ثم تبدأ المساومة، أو يؤجل القرار إلى جولة أخرى.
في السوق، تبدو الأضحية حاضرة، لكن القدرة على اقتنائها ليست بالوضوح نفسه. يشتكي متسوقون من ارتفاع الأثمان، معتبرين أن كلفة الأضحية المتوسطة تتجاوز قدرة فئات واسعة من الأسر، خصوصا مع مصاريف العيد والنقل وباقي الالتزامات اليومية. لذلك يفضل كثيرون الانتظار إلى الأيام الأخيرة، أملا في تراجع الأسعار أو العثور على عرض أنسب.
“الثمن مازال طالع”، يقول أحد الزبائن وهو يغادر حظيرة بعد مساومة قصيرة. ويضيف آخر أن جولته الأولى في السوق لم تكن للشراء، بل لمعرفة “أين وصلت الأسعار”، قبل العودة لاحقا رفقة أفراد أسرته لاتخاذ القرار النهائي.
في الجهة المقابلة، يخوض الكسابة، وهم مربو الماشية وبائعوها، مواجهة يومية لتبرير الأسعار. بالنسبة إليهم، لا يبدأ ثمن الكبش عند باب سوق الحرارين، بل في الضيعة، حيث ترتفع كلفة العلف والنقل واليد العاملة والرعاية.
ويؤكد عدد منهم أن هامش الربح تقلص، وأن الزبون لا يرى سوى السعر النهائي، لا المسار الطويل الذي تمر منه الأضحية قبل وصولها إلى السوق.
ويكتسب سوق “الحرارين” ضغطا إضافيا هذه السنة، باعتباره الفضاء القانوني المخصص لتسويق الأنشطة المرتبطة بعيد الأضحى بطنجة.
فقد منعت السلطات المحلية بيع الماشية داخل الأحياء أو في المستودعات والمرائب، في قرار يروم ضبط العرض، وضمان شروط المراقبة والنظافة، وتسهيل حركة السير، والحد من مظاهر البيع العشوائي التي كانت تتكرر كل موسم.
هذا المنع جعل السوق نقطة جذب شبه حصرية للباحثين عن الأضاحي، ورفع وتيرة التردد عليه خلال الأيام التي تسبق العيد.
عند المداخل، تتحرك العربات الصغيرة، وتنتظر شاحنات النقل دورها، بينما تتكلف فرق محلية بتنظيم جزء من الحركة داخل فضاء يعرف ضغطا متزايدا كلما اقترب الموعد.
وعلى نقيض قلق المتسوقين بشأن الأسعار، تقدم الإدارة قراءة ميدانية أكثر تفاؤلا، تستند إلى وفرة العرض وسلامة القطيع.
ويؤكد المدير الجهوي للفلاحة بجهة طنجة تطوان الحسيمة، عبد الكريم كنفاوي، أن العرض على مستوى الجهة “وفير وبجودة عالية وفي صحة جيدة”.
وسجل، في تصريح صحفي على هامش اجتماع تنسيقي بولاية الجهة، أن وتيرة البيع انطلقت في أغلب النقط المخصصة، متوقعا دينامية أكبر خلال الأيام المقبلة، ومشيرا إلى أن الأثمان هذه السنة “في المتناول”، وعرفت انخفاضا نسبيا مقارنة مع السنوات الماضية.
غير أن هذا التقييم الرسمي لا يمحو الانطباع السائد وسط عدد من الأسر. فبين لغة الإدارة التي تتحدث عن الوفرة، ولغة المواطن الذي يحسب كلفة الأضحية من داخل ميزانية محدودة، تتشكل المفارقة الرئيسية لهذا الموسم في طنجة: السوق مزود، لكن الشراء مؤجل أو مشروط بالقدرة على المساومة.
من الناحية الصحية، تبدو الصورة مطمئنة، وفق المدير الجهوي للمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، حسن لوديلي، الذي أكد أن الوضع الصحي للقطيع “مطمئن جدا”.
ويعزو المسؤول ذلك إلى حملات التلقيح ضد الأمراض المعدية، وإلى مراقبة الأعلاف ومياه شرب الماشية بنقط البيع، إلى جانب تعبئة فرق بيطرية لضمان المداومة قبل العيد وخلاله.
داخل السوق، لا تظهر هذه المعطيات التقنية مباشرة في عيون المتسوقين، لكنها تمنح جزءا من الثقة في الأضاحي المعروضة. المواطن يسأل أولا عن الثمن، ثم عن السن، والسلالة، والوزن، وحالة الكبش. والكساب يجيب، يرفع الصوف بيده، يفتح فم الأضحية أحيانا، ويعيد شرح ما قاله قبل دقائق لزبون آخر.
وعلى بعد 10 ايام فقط من العيد، ينتظر أن ترتفع وتيرة الإقبال على سوق الحرارين. الأسر التي جاءت للاستطلاع ستعود للحسم، والكسابة سيرفعون نسق المناداة، والمساومات ستصبح أكثر توترا مع ضيق الوقت.
وبين غبار الممرات وصوت الماشية وحسابات الجيوب، يتحول السوق إلى مرآة موسمية لطنجة الشعبية، حيث لا تغيب فرحة العيد، لكنها تمر أولا عبر سؤال صعب: كم سيكلف الكبش هذا العام؟







