لم يعد الغلاء في طنجة مجرد اضطراب موسمي في مؤشرات الاسعار، بل اضحي بوابة خطيرة لترسيخ “تمايز طبقي ناعم” بين من يسكن المدينة ومن يزورها.
لم نعد امام منطق العرض والطلب فقط، بل امام مقاربة تعيد تشكيل المجال العام بما يناسب “السائح القادر”، لا المواطن الذي يعيش على الهامش.
كل صيف، تتحول مقاهي الواجهة البحرية وبعض المطاعم والشقق السياحية الى “معازل سلوكية مصغرة”، لا تضع لافتات تمنع الدخول، لكنها تفرض شروطا لا يجرؤ كثر على مناقشتها. زبون يطلب قنينة ماء يطالب باكثر، واخر يطيل الجلوس ينظر اليه كمتطفل، وثالث يصنف من خلال ملابسه ولهجته او حتى عدد مرافقيه. هكذا، شيئا فشيئا، يتم “فرز غير مرئي للناس”، ويعاد تشكيل الفضاء حسب منطق استهلاكي صارم.
نحن لا نتحدث عن “اثمنة مرتفعة” فحسب، بل عن “نظرة جديدة الى المدينة كمنتج فاخر لا يجب ان يفسده السكان العاديون”. هذه المقاربة، التي باتت تتغلغل باسم الاستثمار والسياحة والانفتاح، تهدد بتفكيك النسيج الاجتماعي لطنجة، وتحول ابناءها الى سكان من درجة ثانية، يطالبون بالصمت او بالانسحاب المؤدب كلما ارتفعت حرارة الموسم.
لكن المتضرر ليس ابن المدينة فقط. فحتى السائح الذي ينتمي الى الطبقة المتوسطة، ذاك الذي اختار طنجة كوجهة للراحة دون بهرجة، بات يجد نفسه محاطا بمعايير غير مكتوبة للقبول. شقق بمبالغ خيالية، مطاعم ترفع الاسعار مع كل اشراقة شمس، ومقاه لا تقبل جلوسا دون فاتورة ممتلئة.
هكذا تتحول المدينة الى “منتج نخبوية لا يستوعب الا النمط المخملي”، وتخسر ما كان يميزها: مزيجها الانساني، وسحرها المفتوح للجميع. لا المغترب المغربي يجد نفسه فيها كما كان، ولا السائح الاجنبي الباحث عن بساطة الشمال ينجو من صدمة الواقع.
المقلق في هذا التحول انه لا يطرح للنقاش بصفته انحرافا، بل يقدم كضرورة اقتصادية. فحين يقال ان المستثمر له الحق في ان ينتقي زبناءه، وان جودة الخدمة تبرر الاسعار، وان حرية السوق لا تتسع للمجاملات، يطبع الاقصاء كخيار مشروع. لكن هذه “الحرية” التي لا تعترف الا بمن يدفع اكثر، تنتج مدينة متوترة، مشطورة بين واجهة انيقة ترضي الزائر، وواقع يومي تقصى منه فئات واسعة من السكان والضيوف على حد سواء.
لا احد يطالب بتسعيرة اجتماعية للمقاهي، ولا بالغاء منطق الربح. لكن “حين يتحول الغلاء الى سلوك اقصائي ممنهج، يصير من الضروري مساءلة منطق المدينة نفسها”: لمن تفتح؟ ولمن تغلق؟ هل يمكن ان تستقبل الزائر دون ان تطرد ابن الحي؟ وهل يحق لمستثمر ان يفرض معايير حضور في فضاء عام، تشبه قوانين ناد خاص؟
طنجة مدينة مركبة، بذاكرة غنية وهوية متشابكة، لكن الصيف يهدد هذه الهوية بسطوة الواجهة. فحين تصبح جلستان في مقهى فاخرة اغلى من كراء بيت في حي شعبي، وحين يجبر المواطن على ان يشرح لطفله لماذا لا يمكننا الجلوس هنا “لاننا لا نستهلك بما يكفي”، يصبح المشكل اخلاقيا قبل ان يكون اقتصاديا.
الخطورة ليست في ارتفاع الفاتورة فقط، بل في “الرسائل الصامتة التي تبث في النفوس”: ان هناك من يحق له الاستمتاع، ومن لا يحق له سوى التفرج. ان المدينة لها وجهان، وان التفاوت ليس في الدخل فقط، بل في الحق في الحضور.
لا كرامة لمدينة تقسم ناسها وزوارها حسب قدرتهم على الانفاق، ولا مستقبل لوجهة سياحية تعمد الى تجاهل من اختارها بحب، لا برصيد بنكي. طنجة التي يراد تسويقها كفضاء مفتوح، تغلق على سكانها واغلب زوارها ابواب المقاهي، وتضعهم خلف واجهات زجاجية شفافة، يطلون من خلالها على مدينتهم… دون ان يلمسوها.







