تكرس الاستثمارات المليارية التي استقطبها مشروع “مدينة محمد السادس – طنجة تيك” في مطلع العام 2026، ولا سيما في قطاع بطاريات السيارات الكهربائية، التحول الهيكلي لهذا القطب الاقتصادي نحو نموذج “المنصة الصناعية” المتخصصة، قاطعا بذلك مع مرحلة التردد التي ميزت بداياته، ومبتعدا عن سردية “المدينة الذكية” الشاملة التي طبعت لحظة الإطلاق لصالح واقعية ميدانية تحتكم لمنطق السوق الدولية.
ويمثل مشروع مدينة “محمد السادس – طنجة تيك” مبادرة صناعية كبرى جرى إطلاقها بشراكة بين أطراف عمومية ومؤسساتية، بهدف إرساء قطب إنتاجي موجه للاستثمار الصناعي ذي البعد الدولي في شمال المملكة، ضمن أفق زمني طويل ارتبط منذ البداية بمنطق التنزيل المرحلي وتطور التموقع الوظيفي بحسب شروط السوق وجاذبية الموقع.
ويجمع هذا الإطار التشاركي كلاً من وزارة الصناعة والتجارة ووزارة الاقتصاد والمالية، إلى جانب ولاية جهة طنجة-تطوان-الحسيمة وجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، فضلاً عن شركة تهيئة طنجة تيك، وTanger Med Special Agency، وTanger Med Engineering، إلى جانب فاعلين عموميين في التمويل، ضمن هندسة مؤسساتية متعددة المستويات تشرف على تنزيل المشروع.
من “المدينة الذكية” إلى الواقعية الصناعية
وأفرزت سنوات التنزيل الميداني للمشروع، الذي يمتد وعاؤه العقاري الإجمالي على مساحة تناهز 2167 هكتارا، تغييرا جوهريا في هويته الوظيفية.
فخلافا للتصور الأولي الذي ساد عند الإعلان عن المشروع، والذي روج لمدينة ذكية متكاملة تدمج السكن والخدمات والصناعة في آن واحد، تؤكد المعطيات الميدانية الحالية أن الأولوية المطلقة باتت تمنح للشق الصناعي.
وجاء هذا “إعادة التوصيف العملي” للمشروع نتاجا لمسار طويل من الملاءمة مع المتطلبات الاقتصادية، حيث لا توجد اليوم مؤشرات رسمية تفيد باكتمال أو تقدم المكونات السكنية والخدماتية لنموذج المدينة الذكية بالصيغة التي طرحت بها سابقا، مما يشي بأن القائمين على المشروع اختاروا رهن التوسع الحضري بنجاح الإقلاع الصناعي أولا.
وقد شكلت الاتفاقية-الإطار الموقعة في يوليوز 2022 المنعطف الحاسم الذي مأسس لهذا التوجه، حيث أتاح دخول أطراف عمومية ومؤسساتية وازنة في حكامة المشروع تجاوز مرحلة الجمود النسبي، والانتقال إلى منطق التنزيل المرحلي.
ويتمظهر هذا التوجه حاليا في التركيز الحصري على تهيئة وتطوير “الشطر الصناعي الأول” (Tranche 1)، الذي يسوق كورش مفتوح ومستمر، بعيدا عن ضغط الآجال الزمنية التي كانت تفترض إنجازا شموليا ودفعة واحدة لمشروع قدر أفقه الزمني الأصلي بنحو عشر سنوات.
استثمارات البطاريات تقود القاطرة
وبلغة الأرقام والمؤشرات الملموسة، نجح المشروع في تثبيت موقعه على خارطة الاستثمار الأجنبي المباشر من خلال استقطاب تسعة مستثمرين دوليين على الأقل، تجاوزوا مرحلة إبداء الاهتمام إلى الاستقرار الفعلي داخل المنطقة.
وتتصدر صناعة بطاريات السيارات الكهربائية المشهد الاستثماري، حيث تم تأكيد مشروعين ضخمين في هذه المنظومة بقيمة إجمالية معلنة تصل إلى 910 ملايين دولار. هذان المشروعان وحدهما يمتدان على مساحة 50 هكتارا، مع توقعات بتوفير 3800 منصب شغل، مما يمنح المشروع تخصصا دقيقا في الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، مدعوما بمشروع صناعي أولي كان قد دشن المنطقة باقتناء 20 هكتارا.
ولمواكبة هذا الطلب، تضع إدارة المشروع رهن إشارة الفاعلين الاقتصاديين عرضا عقاريا صناعيا محددا في 36 قطعة أرضية، تغطي مساحة إجمالية تقارب 467 هكتارا.
وتخضع هذه القطع لصيغ تجارية مرنة تزاوج بين البيع والكراء، في إطار استراتيجية تهدف إلى تسريع وتيرة الملء الصناعي. ورغم التحفظ الرسمي عن نشر نسب مئوية دقيقة حول مستوى التقدم الإجمالي للأشغال، فإن حجم الاستثمارات “المؤكدة” بات يشكل المؤشر المرجعي لقياس أداء المشروع، بديلا عن المذكرات والنوايا الاستثمارية التي ميزت المراحل السابقة ولم تجد طريقها للتفعيل.
تكامل لوجستي وتشغيل متدرج
وعلى المستوى الاستراتيجي، حسم المشروع تموقعه داخل المنظومة الاقتصادية لشمال المملكة باعتباره جزءا مكملا للمركب المينائي والصناعي “طنجة المتوسط”، وليس منافسا له أو بديلا عن المناطق الصناعية القائمة.
ويسمح هذا التكامل الوظيفي لـ “طنجة تيك” بالاستفادة المباشرة من البنية التحتية المينائية العالمية لتعزيز جاذبيتها، بينما توفر هي الوعاء العقاري الضروري لاستيعاب المشاريع الصناعية الكبرى التي تتطلب مساحات واسعة لا تتوفر دائما في المناطق المجاورة.
وفي سياق تدبير الزمن السياسي للمشروع، يلاحظ المراقبون غياب أي أجندة معلنة لـ “تدشين رسمي شامل”. هذا الغياب لم يعد يقرأ كتباطؤ، بل كخيار تدبيري يقوم على “التشغيل التدريجي”؛ فكلما أصبحت وحدة صناعية أو شطر من البنية التحتية جاهزا، يتم إدماجه فورا في الدورة الاقتصادية.
وأتاحت هذه المقاربة البراغماتية أتاحت للمشروع التحول إلى منصة منتجة ومشغلة بحكم الأمر الواقع، متجاوزا الحاجة إلى لحظة افتتاح رمزية قد لا تتلاءم مع طبيعة المشاريع الصناعية الكبرى التي تبنى وتتوسع بشكل تراكمي عبر الزمن.







