بتاريخ 8 ماي من سنة 2009، كُتبت الكلمة الأولى في “طنجة 24″، متواضعة، واثقة، ومحمّلة بكل ما لا يُقال.
لم تكن البداية مشروطة بنجاح، ولا مدفوعة برغبة في الصدارة. كانت فقط حاجة داخلية للقول، للربط، للتوثيق.
ولم يكن ممكنا في تلك اللحظة أن يُفتتح المسار بغير تلك العبارة التي تصدّرت أول افتتاحية: “باسم الله مجراها ومرساها”. لم يكن ذلك مجرّد اقتباس قرآني، بل إعلان نية، وتحميل لما سيأتي بثقل القيم، لا بخفّة التجريب.
لم يكن السياق يومها مهيأ لاحتضان صحافة إلكترونية وازنة. لا إطار قانوني، ولا اعتراف مؤسساتي، ولا تقدير حقيقي لإعلام مستقل ينبع من المجال لا من المركز. ومع ذلك، رُفعت الكلمة، وشُرع في المسار، ليس بالتحدي، بل باليقين.
“طنجة 24″، منذ لحظتها الأولى، لم تكن صوتا يبحث عن إثبات، بل فعلا تأسيسيا يوقن بأن لمدينة مثل طنجة الحق في أن تُروى بعيون أهلها، لا بعدسات الوافدين.
ستة عشر عاماً مرّت، لا كرقم في أرشيف، بل كأثر في الوعي العام.
أثر راكمته المنصة عبر تغطيات ومتابعات، عبر حضور مستمر لا ينقطع، وعبر خط تحريري حافظ على توازنه وسط مشهد إعلامي كثيرا ما اختلط فيه الصخب بالسطحية.
لم تركض “طنجة 24” خلف الإثارة، ولم تدخل معركة “البوز”، بل اختارت طريق المراكمة المهنية والبناء الهادئ. وهذا ما منحها، مع مرور الوقت، مكانة راسخة: الأولى جهويا، وضمن العشر الأوائل وطنيا، بحضور رقمي نابع من الثقة، لا من حملات مدفوعة.
ولأن البدايات لا تُصنع دائما من العدم، فإن ما يميّز “طنجة 24” حقا هو أنها قدّمت، في لحظة فراغ تشريعي ومؤسساتي، نموذجا مؤسسا لصحافة رقمية مسؤولة.
وبينما كانت بعض الأصوات تستخف بهذه الممارسة، وتصفها علنا بـ”لعب الدراري”، بل وبـ”صحافة الفأرة”، كانت المنصة تثبت بالفعل أن الصحافة ليست امتيازا حصريا لمن يحمل بطاقة، بل التزام يومي بما يُكتب ويُنشر.
والمفارقة أن بعض من رفضوا الاعتراف بها آنذاك، أصبحوا اليوم يُنظّرون للمهنية، ويقودون النقاشات حول تنظيم الإعلام الإلكتروني.
رغم ذلك، لم تنشغل “طنجة 24” بالرد، ولا بادعاء المظلومية. بل اشتغلت بصمت، وراكمت حضورها خطوة بخطوة، دون أن تسعى لتبرير اختياراتها أو التوسل باعتراف متأخر. لقد آمنت دائما بأن الفعل الصحفي يُقاس بما يتركه من صدى في وعي الناس، لا بما يُقال عنه في الكواليس.
وفي هذا المشهد، يظل من المؤلم أن مؤسسات عمومية واقتصادية، تتمركز في طنجة، وتستفيد من موقعها، لا تزال توجّه استثماراتها الإعلامية نحو المركز، متجاهلة منبرا وقف دائما إلى جانب هذه المدينة، ونافح عن صورتها، ورافع من أجل موقعها في الخريطة الوطنية.
الأكثر مدعاة للتأمل أن نسب المتابعة القادمة من مدن مثل الدار البيضاء والرباط، في كثير من الفترات، تفوق تلك القادمة من طنجة نفسها، ما يؤكد أن أثر “طنجة 24” تجاوز حدود المجال الذي تغطيه، وترسّخ في وجدان وطني مشترك.
لكن، مرة أخرى، لا تُكتب هذه الافتتاحية بصيغة التظلّم، ولا بطلب إنصاف متأخر. فالمؤسسة التي صمدت 16 سنة دون دعم منتظم، ولا مظلة سياسية، ولا تحالفات ظرفية، لا تحتاج لمن يُذكّرها بقيمتها.
“طنجة 24” لا تستدرّ العطف، ولا تطلب الإنصاف. هي ببساطة تواصل، لأن ملكة الابتكار فيها لا تزال حيّة، ولأن طاقمها، كما في أول يوم، يشتغل بقناعة، لا بأجر.
واليوم، حين تنظر المنصة إلى مسارها، لا تَعدّ إنجازاتها فقط، بل تستحضر كل ما رفضت أن تفعله: لم تتاجر في معاناة، لم تساوم على أخلاقيات، لم تُغْرها لحظات التألق السريعة. كانت، ببساطة، تكتب كما تفكر، وتفكر كما يجب أن يكون الصحفي: شاهدا، لا صدى.
ثامن ماي ليس نهاية فصل، بل استمرار لوعد لم يُنقض.
لذلك نقولها اليوم، كما قلناها أول مرة،
باسم الله مجراها ومرساها…
وتستمر “طنجة 24” …







