وسط سحب رقيقة من دخان الفحم المنبعث من أزقة طنجة، يتحلق أطفال حول أوانٍ فخارية صغيرة لطهي قطع اللحم، في مشهد يجسد تقليد “عشاوة” السنوي الذي يحاول الصمود أمام زحف التوسع العمراني للمدينة.
في اليوم الثالث من عيد الأضحى، أو ليلة اليوم الثاني، تتحول أزقة في أحياء شعبية، مثل حي “السواني”، إلى ورشات طبخ مفتوحة للصغار.
يجلب كل طفل قطعة لحم من أضحية أسرته، لتُجمع وتُطهى على نار هادئة داخل “طاجين” فخاري يناسب أحجامهم، حيث تُمزج اللحوم بالبطاطس وتوابل العيد المعروفة محلياً بـ”الليقامة”.
وتقول الحاجة عائشة، وهي تستحضر ذكرياتها مع هذه العادة الطنجاوية: “كان لتلك الوجبة مذاق خاص جداً”.
وتضيف السيدة، التي ما زالت تحرص على شراء الأواني الفخارية لأحفادها، أنها تفعل ذلك “كي يعرفوا أن هذه العادة كانت حاضرة في طفولة آبائهم وأجدادهم”، ولتضمن استمرار رابط الأجيال بعيداً عن هيمنة الكبار على تفاصيل ذبح الأضحية وتقطيعها.
تمرين مبكر على الجماعة
ولا يقتصر طقس “عشاوة” على كونه مجرد نشاط للتسلية، بل يشكل في عمقه الاجتماعي تمريناً مبكراً على المشاركة. فالطفل، وتحت أنظار الأمهات والجدات اللواتي يراقبن النيران، يتعلم كيف يخرج من دائرة الاستهلاك الفردي داخل بيته، لينخرط في مائدة جماعية يتقاسم فيها تدبير الطعام مع أقرانه في الحي.
وفي الأسواق الشعبية للمدينة، لا يزال الطاجين المخصص لهذا الغرض يسجل حضورا موسميا قبيل العيد، حيث يباع بنحو 20 درهماً (حوالي يوروين).
ورغم استمرار هذه التجارة المحدودة لتلبية طلبات الأسر المتمسكة بالموروث، فإن الإقبال تراجع مقارنة بالسنوات الماضية.
ويصطدم هذا التقليد الشعبي بالتحولات الديمغرافية والعمرانية المتسارعة التي تشهدها طنجة. فقد ابتلع التوسع المعماري مساحات اللعب في الأزقة، وعوضت الشقق السكنية الضيقة المنازل الممتدة، ناهيك عن تزايد هواجس السلامة لدى الأسر من إشعال الفحم داخل تجمعات مغلقة أو مكتظة.
ورغم ضغط نمط الحياة الحديثة، ترفض “عشاوة” الانقراض الكلي؛ إذ تواصل بعض الأحياء الحفاظ على هذه النيران الصغيرة مشتعلة، لتؤكد أن الأطفال ما زالوا يمتلكون مساحتهم الخاصة لصنع ذاكرتهم مع العيد.







