تدفع عطلة عيد الأضحى جزءا من سكان طنجة إلى تغيير عاداتهم الشرائية، مع إغلاق محلات بقالة أبوابها، فيما تستعد المتاجر المنظمة لاستقطاب طلب استثنائي لا تعكس حجمه الحقيقي أرقام فروعها وحدها.
وتكشف مؤشرات السوق أن الارتباك الذي تخلفه هذه العطلة لا علاقة له بنقص السلع، إذ تبقى المواد الأساسية متوفرة، بل يعكس تقلصا مؤقتا في نقاط البيع القريبة من السكان، وهي نقاط تعتمد عليها شرائح واسعة في تأمين احتياجاتها اليومية من خبز وحليب وسكر ومياه شرب ومواد تنظيف.
ويظهر هذا الخلل في الحلقة الأخيرة من التوزيع، لا في الإنتاج أو الجملة. فمحل البقالة لا يمثل، في أحياء طنجة، نقطة بيع فقط، بل قناة تموين يومية قائمة على القرب، والكمية الصغيرة، وساعات العمل المرنة، ومعرفة الزبون. وحين يغلق جزء من هذه القناة خلال العيد، ينتقل جزء من الطلب إلى فاعلين أكثر تنظيما، لكن بشروط مختلفة.
شبكات التوزيع تملأ الفراغ جزئيا
وتحصي شبكة “بيم” 16 متجرا في المدينة، وفق معطياتها الرسمية، فيما تنتشر “كارفور” بصيغها المتعددة في مواقع تشمل مالاباطا وابن بطوطة وإيبيريا وفولوبيليس، إضافة إلى “كارفور إكسبريس” في بني مكادة.
وتتوسع “مرجان” عبر صيغة “مرجان سيتي” التي أطلقتها أواخر 2023، بمتاجر أحياء لا تتجاوز مساحة الواحد منها في الغالب 300 متر مربع، موجهة إلى المشتريات اليومية السريعة، أي إلى جزء من المجال الذي ظل طويلا حكرا على بقالة الحي.
أما “كازيون”، فقد رفعت من ثقلها اللوجستي في طنجة بافتتاح منصة توزيع ثانية تمتد على 14 ألف متر مربع، وتضم 342 منصب شغل مباشر، وتتولى من المدينة تدبير جزء من عمليات التوزيع في منطقة الشمال، وإن كان العدد الفعلي لفروعها داخل طنجة يحتاج إلى جرد ميداني مستقل.
وتمنح هذه المعطيات المتاجر المنظمة قدرة أوضح على استقبال جزء من الطلب خلال العيد، بفعل انتظام التوريد، وتوحيد الأسعار، واستمرار العمل. لكنها لا تكفي، في ذاتها، للقول إن هذه المتاجر تعوض شبكة البقالة التقليدية التي تتغلغل في الأزقة والتجمعات السكنية الصغيرة.
فهذا العرض المنظم يخدم، أساسا، زبونا قادرا على الدفع الفوري والتنقل إلى نقطة بيع قد لا تكون داخل نطاقه السكني المباشر. وهو ما لا ينطبق على جميع الأسر، خصوصا تلك التي تدير مصروفها اليومي على إيقاع السيولة المتاحة لا على أساس سلة شراء جاهزة ومدفوعة بالكامل.
“الكارني”.. ما لا تقدمه العلامات الكبرى
ويحتفظ بقال الحي بميزة تنافسية لا تظهر في أي نشرة مالية: الدين. فنظام “الكارني”، وهو دفتر الدين القصير المتعارف عليه في الأحياء الشعبية المغربية، يتيح للأسر الشراء دون سيولة فورية، وهو ما لا توفره المتاجر المنظمة بصرف النظر عن حجمها وتنوع عروضها.
ولا يتعلق الأمر بتفصيل اجتماعي هامشي. فـ”الكارني” يعمل كآلية تمويل صغيرة داخل الحي، خارج النظام البنكي، وخارج وسائل الأداء الحديثة. يتيح للزبون شراء مواد محدودة عند الحاجة، ويمنح البقال وسيلة للاحتفاظ بزبون يعرف قدرته على الأداء ومواعيد دخله.
ويضاف إلى ذلك عامل المسافة. فكلفة الوصول إلى متجر منظم، حين تكون المشتريات محدودة، قد تتجاوز فارق السعر بين المتجرين، مما يجعل الحانوت القريب خيارا اقتصاديا لا مجرد عادة اجتماعية أو ارتباط عاطفي بتاجر الحي.
لهذا لا يتحرك الطلب في أيام العيد كتلة واحدة. جزء منه ينتقل إلى المتاجر المنظمة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأسر تملك السيولة وتبحث عن نقطة بيع مفتوحة. وجزء آخر يبقى مرتبطا بالحانوت، حتى وهو مغلق مؤقتا، لأنه قائم على علاقة دين وقرب لا تعوضها لافتة تجارية كبرى.
تحول في التوازن لا في البنية
ويرى مراقبون أن ما يشهده سوق طنجة خلال مواسم العيد هو إعادة توزيع مؤقتة للطلب أكثر منه تحولا جذريا في عادات التموين، إذ تلتقط العلامات الكبرى جزءا من الشراء النقدي، بينما يحتفظ الحانوت بزبائنه الذين يعرفهم بالاسم ويمنحهم ما لا تمنحه أي بطاقة ولاء.
وتكشف هذه الوضعية حدود النموذجين معا. فالتجارة التقليدية تظل أكثر قربا ومرونة، لكنها هشة أمام توقف أصحابها خلال العطل.
والمتاجر المنظمة أكثر قدرة على الاستمرار والتوريد، لكنها لا تغطي كل الأحياء ولا تستوعب أشكال الشراء المؤجل التي تحكم جزءا من الاستهلاك اليومي.
وفي غياب إحصاءات رسمية حول نسبة المحلات التي تغلق خلال العيد ومدة توقفها، تبقى الصورة الكاملة للظاهرة بحاجة إلى معاينة ميدانية منهجية. غير أن اتجاه السوق يبدو واضحا: طنجة لم تعد تعتمد في تموين العيد على الحانوت وحده، لكنها لم تغادر بعد اقتصاد الحانوت.
فالمدينة تواجه العطلة بسوق قرب أكثر تنظيما من السابق، وبعلامات كبرى تقترب أكثر من الأحياء. لكنها تظل، في جزء من استهلاكها اليومي، مرتبطة ببقال يبيع بالدين، ويقبل الكمية الصغيرة، ويعرف أن التموين في أحياء كثيرة لا يقاس فقط بتوفر السلعة، بل بطريقة الوصول إليها ودفع ثمنها.







