فوق ربوة صخرية منخفضة تطل على الواجهة الشرقية للكورنيش، تقف بقايا قلعة غيلان مثل صمت ثقيل في قلب المشهد الحضري المتسارع. لا سياج يحميها، لا لوحة تعرف بها، ولا مسلك مهيأ يوصل الزائر اليها.
من محج محمد السادس، تبدو كظل حجري مهجور، يشرف على وادي الحلق وخليج طنجة، ويقاوم وحده محوا ناعما يتسلل من تحت اقدام مدينة تتسابق الى واجهات الزجاج والضوء.
تعود القلعة الى النصف الثاني من القرن السابع عشر، حين خضعت طنجة للاحتلال الانجليزي بين سنتي 1662 و1684، بموجب اتفاق زواج بين التاج البريطاني والبرتغال، قدمت خلاله المدينة كمهر سياسي.
لكن طنجة لم تسلم بسهولة. وسرعان ما تحولت الى نقطة اشتعال قاد فيها القائد المغربي الخضر غيلان واحدة من اطول حركات المقاومة ضد الاحتلال الاجنبي.
وسط هذا السياق، شيدت القلعة – على الارجح سنة 1664 – في موقع يسمح باحكام الرصد البري والبحري، ويستخدم نقطة انطلاق لشن الغارات على القوات المتمركزة داخل اسوار المدينة.
الموقع الذي تحتله القلعة ليس عرضيا. فهو يرتفع بشكل خفيف فوق الخط الساحلي الشرقي، في مواجهة مباشرة للخليج، ويمتد على ربوة طبيعية تسمح بتغطية ميدانية واسعة. والبنية المعمارية دفاعية بامتياز: سور خارجي سميك مبني من الحجر الكلسي والطين المدكوك، يدعمه برجان نصف دائريان من الواجهة الامامية، مع بوابة رئيسية تعلوها بقايا قوس.
داخل السور، توجد بقايا فسحة ترابية وجدران جانبية كانت تؤدي الى غرفة مغطاة – يرجح انها كانت مستودعا للذخيرة او مركز مراقبة.
وخلال عقدين من التوتر العسكري، لعبت القلعة دورا محوريا في الانهاك التدريجي للقوات الانجليزية.
وقد وثقت سلسلة من المناوشات والكمائن انطلاقا من هذا الموقع، الذي مكن المجاهدين من تضييق الخناق على الثكنات البريطانية.
ومع تفاقم الكلفة اللوجستية وتراجع الجاهزية العسكرية، قررت بريطانيا الانسحاب الكامل من طنجة.
وفي سنة 1684، اشرف الجنرال جورج الييوت على تدمير التحصينات قبل المغادرة، ويروى انه قال جملته الشهيرة: “ليغرق هذا المكان في البحر”. لكن ما غرق لم يكن المدينة، بل المشروع الاستعماري نفسه، فيما بقيت القلعة كاثر صلب لمرحلة صاخبة من تاريخ شمال المغرب.
ورغم رمزيتها وقيمتها الميدانية، لم تحظ القلعة بالعناية التي يقتضيها موقعها التاريخي.
ففي سنة 2015، جرى ادراجها ضمن الجرد العام للتراث الثقافي الوطني بقرار رسمي، دون ان يترتب على ذلك اي تدخل عملي على الارض. لا ترميم، لا تثمين، لا تهيئة.
الموقع اليوم مفتوح على الاهمال، تتاكل بعض اجزائه تحت تاثير العوامل الطبيعية والمرور العشوائي.
ويظهر البرج الجنوبي في وضع هش، بينما يتسلل الردم الى محيطه، وتندثر معالم المسالك التي كانت تقوده نحو وادي الحلق.
ولم تترجم الجهود المدنية، التي حاولت لفت الانتباه الى وضعية القلعة، الى سياسة ثقافية حقيقية.
ووجعت عدد من الفعاليات المدنية مراسلات للسلطات منذ سنة 2016، تقترح تأهيل الموقع ضمن مسار الذاكرة الطنجاوية، دون ان تلقى تجاوبا ملموسا.
وفي ظل هذا الجمود، تستمر القلعة في التاكل البطيء، كما لو ان هذا الحصن، الذي حول طنجة ذات زمن الى “ثقب اسود” ابتلع الاحتلال الانجليزي بكل ثقله، قد تحول اليوم الى حفرة منسية في ضمير مؤسساتي غائب.
حين يغمر المساء خليج طنجة، وتنسحب الاضواء الاصطناعية نحو الفنادق والمقاهي، تبقى قلعة غيلان مظلمة، منعزلة، لكن قائمة. لا تشتكي، لا تنهار، فقط تراقب مدينة اختارت ان تتقدم دون ان تلتفت وراءها.







