بعد مرور سبع سنوات على دخوله حيز الخدمة كميناء ترفيهي، يبدو أن ميناء طنجة المدينة قد استقر على وظيفته الجديدة، وسجّل نتائج مالية وسياحية متزايدة، دون أن تُترجم هذه المؤشرات إلى وقع محسوس على النسيج المجاور، خاصة المدينة العتيقة التي طالما ربطتها بالميناء علاقة يومية وتاريخية.
ويتذكر سكان طنجة، وأهالي المدينة العتيقة خصوصًا، لحظة تدشين هذه المنشأة البحرية سنة 2018، في إطار مشروع “تأهيل وإعادة توظيف المنطقة المينائية”، الذي رافقته وعود بإعادة رسم العلاقة بين المدينة والبحر، على غرار تجارب متوسطية مماثلة.
غير أن هذا التحوّل في الوظيفة لم يُواكبه، في نظر كثيرين، تحول موازٍ في علاقة المنشأة الجديدة بمحيطها القريب. فبينما يواصل الميناء تسجيل مؤشرات نمو على مستوى الرواج والحركية، يزداد الشعور داخل الأحياء العتيقة بأن المشروع لم ينجح بعد في إعادة تشكيل تلك العلاقة العضوية التي طالما جمعت المدينة بواجهتها البحرية.
من الميناء إلى الأرقام
ووفق الحصيلة الرسمية لسنة 2024، بلغ رقم معاملات الميناء 165 مليون درهم دون احتساب الرسوم، بزيادة 13 في المائة مقارنة بسنة 2023، ونحو 50 في المائة مقارنة بسنة 2019.
كما بلغ معدل استغلال مراسي المارينا 92 في المائة، مع تسجيل 345 عقد رسو جديد خلال نفس الفترة.
في جانب حركة النقل، استقبل الميناء 1.34 مليون مسافر عبر العبارات، إضافة إلى 168 ألف سيارة. أما البواخر السياحية، فقد سجلت حضورًا متزايدًا، إذ بلغ عدد ركابها 92 ألفاً و123 شخصاً، بارتفاع بلغ 64 في المائة مقارنة بالسنة السابقة، مع 103 رسوّات، ومن المرتقب أن يرتفع العدد إلى 157 في أفق نهاية 2025.
مرفق بلا امتداد مجالي
لكن هذه المؤشرات الرقمية لا تخفي مفارقة ميدانية أعمق. فالميناء الذي كان، لعقود طويلة، امتدادًا حيويًا للمدينة العتيقة، بات اليوم مجالاً مستقلاً وظيفيًا، لا يظهر له أثر مباشر في الدورة الاقتصادية للأحياء المجاورة.
ويلاحظ فاعلون مهنيون أن العلاقة القديمة التي كانت تربط ساكنة المدينة بالميناء، من خلال التجارة والعبور والأنشطة اليومية، لم تُستبدل بعلاقة جديدة رغم استقرار المشروع في صورته الحالية.
وبحسب يوسف شبعة الحضري، وهو فاعل في القطاع السياحي بالمدينة العتيقة، فإن “الدينامية التي يعيشها القطاع السياحي بعد افتتاح الميناء الترفيهي لم تنعكس على المدينة العتيقة، رغم العلاقة الوطيدة التي ظلت تربط هذين المجالين على مدى تاريخ طنجة”.
ويضيف شبعة في تصريح لجريدة “طنجة 24” الإلكترونية: “الميناء سجل ارتفاعًا في عدد رسوّات البواخر السياحية بعد نقل الأنشطة الاقتصادية إلى ميناء طنجة المتوسط، وظهرت أنشطة جديدة داخل المارينا، ككراء المنازل عبر مواقع الحجز العالمية، لكن لم يُسجل إلى حدود الساعة أي وقع اقتصادي ملموس داخل المدينة القديمة.”
ويربط الفاعل السياحي هذا الانفصال الوظيفي بـ”غياب برامج متكاملة ينخرط فيها جميع المتدخلين”، مشددا على أن “إدماج المدينة العتيقة ضمن المخططات التكميلية للميناء، يحتاج إلى تصور حضري متكامل تُساهم في تنزيله مختلف القطاعات المعنية.”
الاندماج المؤجل بين المجالين
وتقع هذه الملاحظة في صلب المفارقة العمرانية التي أفرزها المشروع، حيث أصبح الميناء مجالًا نظيفًا ومهندَسًا بعناية، لكنه موجه أكثر للزوار والمستثمرين والسياح، في حين ظل المجال الشعبي المجاور خارج هذا التحول، سواء من حيث الخدمات أو الاستفادة الاقتصادية.
وإن كانت الأشطر الأولى من مشروع تأهيل المنطقة المينائية قد حسّنت البنية التحتية للواجهة البحرية، فإن غياب مسارات واضحة لربطها وظيفيًا بالمدينة العتيقة، يطرح سؤالًا حول مآلات “إعادة التوظيف” في بعدها المجالي، لا فقط السياحي أو الجمالي.
ويعزز هذه المفارقة ما راج مؤخرًا عن سحب تنظيم مسابقة دولية من شاطئ طنجة البلدي بسبب تلوث مياهه، في الوقت الذي يعوّل فيه المهنيون على مثل هذه التظاهرات لخلق رواج اقتصادي وتعزيز الإشعاع السياحي للمدينة.
وبعد سبع سنوات من انطلاق الورش، لا يُطرح السؤال حول شرعية المشروع، بل حول مدى وفائه بوعوده الأولى، وقدرته على الانصهار الفعلي في النسيج الحضري والاقتصادي لطنجة. وحتى إشعار آخر، يظل الرابط الموعود بين الميناء والمدينة العتيقة مؤجلاً.







