قبل ساعات من حلول عيد الأضحى، تتحرك الأسر المغربية في سبتة المحتلة بين مسارين متوازيين: ترتيبات إدارية وصحية صارمة تفرضها السلطات الاسبانية على شعيرة النحر، وحركية اجتماعية وتجارية واسعة تعيد إلى الواجهة الطابع المغربي للمناسبة داخل الثغر المحتل.
ويحل العيد، الأربعاء 27 ماي، بعدما أعلنت اللجنة الإسلامية في إسبانيا أن الثلاثاء يوم عرفة، على أن تنطلق شعيرة النحر بعد صلاة العيد. ومنذ الأيام الأخيرة، تواصلت الترتيبات الميدانية في مصلى “لوما كولمينار”، الذي ينتظر أن يستقبل آلاف المصلين صباح العيد.
وشملت الأشغال تهيئة المسالك والممرات، وتنظيم الولوج إلى المصلى، ونصب هياكل واسعة لتوفير الظل، في محاولة لاستيعاب تدفق المصلين خلال ساعات الصباح، وسط درجات حرارة مرتفعة نسبيا مع نهاية ماي.
لكن صورة العيد في سبتة المحتلة لا تقف عند المصلى. ففي الأحياء ذات الكثافة المسلمة، تتسارع الحركة داخل الأسواق ومحلات الملابس والمواد الغذائية، حيث يقبل المواطنون على اقتناء مستلزمات ترتبط مباشرة بالعادات المغربية، من الجلابة والجبادور والبلغة، إلى الفحم ومعدات الشواء والتوابل المستعملة في أطباق عيدية متوارثة، مثل “التقلية” و”المروزية”.
وتمنح هذه التفاصيل اليومية للمناسبة بعدا يتجاوز الطقس الديني وحده. فهي تعكس، بالنسبة إلى ساكنة مغربية تعيش داخل وضع خاص، تمسكا بذاكرة عائلية وجماعية تنتقل عبر اللباس، والطعام، والزيارة، وطريقة استقبال العيد داخل البيوت.
في المقابل، وضعت بلدية المدينة مسارا مضبوطا لعملية الذبح، محصورا بين 27 و29 ماي، داخل المجزرة البلدية ومجازر متنقلة أو فضاءات مرخصة. وتمنع القواعد المعلنة نقل الأضاحي عبر السيارات الخاصة أو ذبحها في الشوارع والأحياء والأماكن غير المنظمة، مع إلزامية المرور عبر مراقبة بيطرية ومتدخلين معتمدين.
وبذلك، تنتقل شعيرة اعتادت الأسر المغربية ممارستها ضمن دائرة عائلية قريبة إلى نظام إداري أكثر تشددا، يبدأ من اقتناء الأضحية من ضيعات مرخصة، ويمر عبر النقل المنظم، قبل الوصول إلى نقطة ذبح خاضعة للترخيص والمراقبة.
وتسعى سلطات المدينة، من خلال هذه التدابير، إلى تفادي الفوضى والاكتظاظ والمخاطر الصحية، غير أن هذا التنظيم يضيف، في الوقت نفسه، قيودا عملية على أسر ترى في العيد مناسبة للحفاظ على نمطها الاجتماعي والديني كما ورثته عن الأجيال السابقة.
وسجلت ضيعات بيع الماشية المعتمدة ضغطا قويا في الطلب خلال الساعات الأخيرة. وأعلنت ضيعة “خيمينا” نفاد دفعة أولى من ألف و600 رأس من الأغنام، قبل جلب شحنة إضافية تتراوح بين 350 و400 خروف، أغلبها كان محجوزا مسبقا من طرف الأسر.
واستقر سعر الأضحية في هذه الضيعة عند نحو 350 يورو، في مستوى يعزوه المهنيون إلى ارتفاع كلفة الأعلاف والوقود والنقل، إضافة إلى المصاريف المرتبطة بإيواء الماشية داخل المدينة قبل العيد.
وبالتزامن مع ذلك، كثفت وحدة حماية الطبيعة التابعة للحرس المدني الإسباني، بتنسيق مع المصالح البيطرية المحلية، عمليات مراقبة الضيعات ونقاط التجمع المؤقتة، للتحقق من سلامة القطيع وشروط الإيواء والامتثال للقواعد الصحية، من دون الإعلان عن اختلالات كبرى قد تؤثر على سير المناسبة.
وتظهر سبتة المحتلة، عشية العيد، كفضاء صغير تتقاطع داخله الشعيرة الدينية مع الرقابة الإدارية، والذاكرة المغربية مع متطلبات التدبير الحضري.
وبين المصلى والمجازر المرخصة والأسواق الشعبية، يصر مغاربة الثغر على استقبال العيد بطقوسهم الموروثة، حتى وإن باتت شعيرة النحر تمر عبر مساطر أكثر صرامة مما ألفته الأسر في فضائها الطبيعي.







