لسنا هنا أمام حالة عابرة من سوء الفهم، بل أمام وضع يزداد رسوخا: كلما نُشرت معلومة لا تُرضي المزاج العام، انهالت عليها الأحكام والشتائم والتأويلات، وكأن نقل المعطى في حد ذاته أصبح فعلا عدائيا.
لا أحد يناقش المصدر، ولا منهجية التصنيف، ولا الخلفية الإحصائية أو السياقية؛ كل شيء يُختزل في سؤال واحد: لماذا نشرتم هذا؟ وكأن المعلومة لا تُقاس بمدى صحتها أو دقتها، بل بمدى قدرتها على إرضاء المشاعر العامة.
في مثل هذه اللحظات، يُصبح الصحفي هدفا سهلا لتوصيفات تنهال عليه كلما خالف الموجة أو أزعج الإجماع اللحظي: “صحافة المرقة”، “صحافة التعليمات”، “كتخدمو الأجندة”، “بعتو الماتش”، “خدامين مع الدولة”، بل وقد يتعدى الأمر هذه الاتهامات اللفظية إلى تهديدات مباشرة أو حملات تشهير، فقط لأن المادة التي نشرها لا تُعبّر عن الغضب الشعبي كما يريد البعض أن يُصاغ.
هل نملك فعلا رأيا عاما ناضجا مستعدا لاستهلاك المعلومة كما هي، بما تحمله من مفاجأة أو خيبة أو تعقيد؟ أم أننا ما زلنا نفضل ما يشبهنا على ما يناقضنا، حتى ولو كان قائما على وقائع ومعطيات محايدة؟ كلما اقتربت الصحافة من لحظة عقلانية باردة، ابتعد عنها الجمهور الغاضب، لا لأنه يرفض الحقيقة، بل لأنه يرفض طريقتها في قولها.
الغضب مشروع حين يكون موجها إلى من يملك القرار، إلى من يصنع السياسات، إلى من يُفترض أن يصغي ويُصلح.
لكنه يصبح متاهة حين يُصبّ على من لا يصنع الحدث، بل ينقله. هنا تنقلب الأدوار: الصحفي يُحاسب لأنه لم يكتب ما يُرضي، لا لأنه أخطأ. يُهاجم لأنه لم يصفّق، لا لأنه كذب. تُطلب منه المساندة العاطفية، لا المهنية. يصبح الصوت الوسيط هدفا سهلا، فقط لأنه لم يُساير الجوقة.
هذه ليست أزمة في التواصل، بل في التلقي. ليست خطأ في الصياغة، بل في الاستعداد للتفاعل مع المعطى دون جلد أو انفعال.
من يُطالب الصحافة أن تنحاز للشعور، لا للوقائع، يُطالبها عملياً بالتخلي عن دورها. ومن يربط صدقها بمدى قربها من المزاج العام، لا من المعطى، يُفرغها من معناها. ومن يعتبر كل معلومة لا تُعجبه هجوما عليه، يُغلق باب الفهم لصالح باب الصراخ.
قد نكون فعلا أمام جمهور مُنهك، سئم الوعود، واكتشف زيف الكثير من الشعارات، ولم يعد يثق في أحد. وقد تكون الصحافة بدورها ارتكبت أخطاء كثيرة، وخذلت قراءها أكثر من مرة.
لكن كل هذا لا يبرر قتل المعلومة قبل أن تُفهم، ولا تحويل كل عنوان إلى ساحة قتال. إذا كان المطلوب من الإعلام أن يُريح أكثر مما يُضيء، فليس هناك جدوى من وجوده أصلاً.
في زمن الانفعال السريع، والتفاعل المتوتر، صار من الصعب على أي منصة إعلامية أن تُمسك العصا من الوسط. من الصعب أن تُراعي شعور القارئ دون أن تفقد موضوعيتها، وأن تقول الحقيقة دون أن تُتهم بالخيانة.
لكن لا مفر من المحاولة. فإما أن نستمر في بناء رأي عام يُجادل ويُفكر ويُناقش، أو نستسلم لمنطق الجماعات الغاضبة التي ترى في كل معلومة لا تُشبهها نوعا من التآمر.







