شكّل الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بمدينة طنجة، والقاضي برفض طلب حزب الأصالة والمعاصرة تجريد ثلاثة من منتخبيه من عضويتهم داخل المجلس الجماعي للمدينة، منعطفاً دقيقا في العلاقة بين التمثيلية الانتخابية والانضباط الحزبي.
ففي سابقة لافتة، انتصر القضاء الإداري لمبدأ استقلالية الرأي داخل المؤسسات المنتخبة، معيدا طرح السؤال حول حدود التعبير السياسي المشروع للمنتخب، وحدود سلطة الأحزاب في ضبط سلوك ممثليها تحت قبة المجالس.
المنتخبون المعنيون لم يغادروا تنظيمهم السياسي، ولم يُعلنوا تمردا تنظيميا صريحا، بل اكتفوا بالتعبير عن موقف مخالف خلال مداولة تهم الشأن المحلي، وتحديدا مشروعاً يهم السوق الجماعي لسيدي احساين.
لكن الحزب، من جانبه، اعتبر أن هذا السلوك يُجسّد “إخلالاً جسيماً” بالتزامات الانتماء، وقرّر اللجوء إلى القضاء لتفعيل المساطر التأديبية القصوى.
غير أن المحكمة، في قرارها، فصلت بين الانتماء السياسي وبين حرية التعبير داخل مؤسسة منتخبة، معتبرة أن مخالفة التوجيه الحزبي في تصويت موضعي لا ترقى إلى مستوى التخلي عن الانتماء السياسي، كما حدده القانون التنظيمي.
هذا التفسير القضائي، وإن بدا منسجماً مع روح الدستور الذي يضمن حرية الرأي والموقف، يفتح الباب أمام إشكالية مزدوجة: فمن جهة، يمنح للمنتخبين هامشا أوسع للتفاعل المستقل مع القضايا المعروضة على المجالس، خارج منطق “التصويت الآلي” الذي كثيراً ما تحكمه موازين القوى داخل الأحزاب.
لكنه، من جهة أخرى، يُضعف قدرة التنظيمات السياسية على فرض الانضباط، ويُحوّل بعض المجالس إلى ساحات مفتوحة أمام التجاذبات الفردية والحسابات الانتهازية.
ويزداد هذا التحدي تعقيدا في ظل ما يشهده المشهد الحزبي المغربي من هشاشة تنظيمية، وتراجع لهيبة الوساطة الحزبية داخل الجماعات، حيث بات الانتماء في كثير من الحالات وسيلة للترشح أكثر منه التزاما بمشروع سياسي واضح. وفي هذا السياق، يُخشى أن يُفهم قرار المحكمة كضوء أخضر لمزيد من “التسيّب المؤسساتي”، لا كترسيخ لثقافة الاختلاف المنتج.
غير أن المسؤولية لا تقع على القضاء وحده. فالأحزاب مطالبة اليوم بإعادة النظر في نماذج تدبيرها الداخلي، وفي سبل تكوين منتخبيها وتأطيرهم، وفي بناء آليات ديمقراطية تضمن التعبير عن الرأي دون المساس بالانسجام التنظيمي.
فحزب لا يستطيع إقناع منتخبيه داخل المجالس، لا يمكنه أن يتذرّع بالقضاء لفرض الانضباط، كما لا يمكنه أن يُحمّل المؤسسات القضائية تبعات إخفاقه السياسي.
وفي العمق، لا يتعلق الأمر بقرار قضائي معزول، بل بنقطة تحول في التوازن بين منطق الشرعية الحزبية ومنطق المشروعية التمثيلية.
وفي انتظار بلورة قواعد أكثر دقة تحسم في هذه المنطقة الرمادية، يظل الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بطنجة بمثابة جرس إنذار يُذكّر بأن الديمقراطية التمثيلية لا تستقيم بمنطق الإخضاع، ولا بالتحرر المطلق، بل بتعاقد واضح يُوازن بين الواجب والحق، بين الانضباط والمسؤولية، وبين سلطة المؤسسة وحرية من يُديرها.







