في المدن التي لا تنام، يكون الزمن مرهقا أكثر مما ينبغي. وفي طنجة، التي تتنفس بشوارعها قبل بحارها، يبدو أن زمن الأشغال لا يعترف بتوقيت المدينة، ولا بمزاج الناس، ولا بضغط الصيف الذي يضاعف عدد الأجساد والأنفاس والآهات. مدينة تتحرك في أكثر من اتجاه، لكن سكانها لا يعرفون بعد إلى أين تتجه فعلاً.
انطلقت فعلا أوراش طموحة لتوسيع المحاور الطرقية وتحديث البنية التحتية، بعضها يُنجز بسرعة لافتة، وبعضها الآخر يزحف بتردد فوق أعصاب الناس.
ولا أحد ينكر أن إطلاق هذه المشاريع هو اعتراف صريح من الدولة والإدارة الترابية والمنتخبين بأن المدينة لم تعد تحتمل المزيد من التأجيل، وأن زمن الترميمات الجزئية قد انتهى.
لكن الاعتراف وحده لا يكفي. ما يُنتظر اليوم هو ما بعد النية، ما بعد الأشغال، ما بعد الجرافات والإسفلت.
المطلوب اليوم هو استراتيجية، لا بمعناها التقني فقط، بل كأفق لتدبير الانتقال. لأن الذي يحدث الآن يشبه عملية جراحية دقيقة تُجرى في غرفة مزدحمة، بلا عزل، بلا تخطيط واضح لكيفية تحريك الناس والوقت والحياة وسط الورش المفتوح.
مشروع واحد يمكن أن يكون مفهوما، مقبولا، قابلا للصبر. أما حين تتكاثر الأوراش وتتزامن في أكثر من نقطة حيوية، دون خطة مواكبة معلنة، فذاك ما يشبه العبث.
وسط هذا الغموض، يتردد السؤال المشروع: هل لدى السلطة والمنتخبين خطة مصاحبة تُنظم البدائل وتُخفف من تبعات الأشغال؟ هل تم التفكير في التأثير الزمني والنفسي لحفرٍ لا ينتهي، وحواجز حديدية تُغلق المنافذ، وتحوّل كل تنقل إلى اختبار أعصاب؟ أم أننا ببساطة نُدار بمنطق: “اللي بغا أومليط، يفقس البيض”؟
لكن العدل يقتضي ألا نُحمّل جهة واحدة كل الأوزار. فالمواطن الطنجاوي أيضا مطالب بأن ينظر إلى المدينة بعين الشريك، لا بعقلية المتفرج أو المستفيد الأناني.
كثيرون، مثلا، ما زالوا يصرّون على قيادة سياراتهم نحو أكثر النقاط اكتظاظا في المدينة، لا لحاجة ضرورية، ولكن من أجل “قهيوة” على الرصيف، أو استعراض سيارة في شارع لا يتسع حتى لخطى المارة. لا أحد يُجبر هؤلاء على زيادة الضغط، كما لا أحد يُعفيهم من المشاركة في الفوضى اليومية.
هناك دائما حديث عن الثقافة المرورية، عن غياب الوعي الجماعي، عن سلوكيات فردية لا تحترم المجال العام… وكلها صحيحة.
لكن هل وفّرت المدينة فعلا بديلا حقيقيا لهذه الأنانية؟ هل وضعت على الطاولة خيارات نقل جماعي تليق بمدينة بهذا الحجم؟ هل تجرّأت الإدارة على تنظيم التوقفات العشوائية، ومحاسبة من يحتل الأرصفة والممرات؟ الأسئلة كثيرة، وتزداد شراسة حين نعلم أن الصيف قادم، وأن عدد سكان المدينة سيتضاعف، لا فقط بالسياح، بل بالمهاجرين العائدين، وبالآلاف من الزوار الموسميين الذين لا يعترفون بزمن الأشغال، ولا يملكون صبر المقيمين.
إن طنجة، اليوم، تقف على عتبة تحول ضروري. لكن الضروري لا يعني المفروض، ولا يجب أن يُفرض بوسائل قاسية. الأشغال الجارية مؤشر إيجابي على وجود وعي رسمي بضرورة الإصلاح، لكن الإصلاح لا يكون ناجحا إلا إذا صُحبت كل آلة حفر بخطة تواصل، وكل شارع مغلق بممر بديل، وكل صبر مطلوب بمبرر مفهوم.
نحن لا نطلب المعجزات. فقط نريد أن نعرف: من يقود هذا التغيير؟ ومن يضمن أن هذه المدينة ستبقى قابلة للعيش وسط كل هذا الحفر والتكدس والاحتباس؟ وهل هناك أحد يحصي عدد الأنفاس المتقطعة كل صباح في زحامٍ لا ينتهي؟ أم أننا سنستمر نردد على أنفسنا: معلش، راه كنصلحو؟
الزمن لا ينتظر. والمدينة لا تغفر لمن يعاقبها في لحظة احتياجها. وأحيانا، تكون الفوضى مؤقتة فعلا… لكن فقط حين تكون هناك خطة.







